لكن رد الفعل الغربي في الإعلام وفي مؤسسات الاتحاد الأوروبي والحكومات الغربية، كان في مجمله سلبيًا.. بل ومعاديًا.. فصحف كثيرة في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وهولندا وإسبانيا واستراليا والنرويج وروسيا فضلًا عن إسرائيل قد أعادت نشر الرسوم المسيئة إلى رسول الإسلام.. ومفوضية الاتحاد الأوروبي تضامنت مع الدانمارك، بحجة أن حرية التعبير يجب ألا تتقيد بحرمات مقدسات الإسلام.. بل وهددت هذه المفوضية الدول الإسلامية التي تقاطع البضائع الدانماركية بتطبيق العقوبات عليها، لأن مقاطعة الدانمارك هي مقاطعة لكل دول الاتحاد الأوروبي الخمس والعشرين!!.. ووصل الأمر إلى حد أن أحد الوزراء في إيطاليا دعا إلى شن حرب صليبية ضد الإسلام والمسلمين.. وإلى طبع هذه الرسوم المسيئة إلى رسول الإسلام على القمصان ليرتديها ويتزين بها الأوروبيون!!
وهكذا انشغل العالم بوقائع أحدث فصول الإهانات الغربية لمقدسات الإسلام!
وفي الساحة الإسلامية.. ظن كثيرون أن هذا الحادث الغريب هو حادث مفاجئ.. وشاذ.. وليست له سابقة ولا نظير في التاريخ.. بينما ظن آخرون أن هذا الموقف الغربي، الذي يستبيح إهانة العقائد والمقدسات الدينية الإسلامية، بدعوى حرية التعبير التي يراها"قيمة مطلقة"تعلو على غيرها من القيم حتى إنها غير قابلة للنقاش!... ظنوا أن ذلك الموقف الغربي هو موقف حديث، أثمرته العلمانية الغربية التي سادت في السياسة والدولة والمجتمعات الغربية منذ القرن الثامن عشر والتي نزعت القداسة عن كل مقدسات الأديان.. والتي تطورت في ما بعد الحداثة إلى نزع القداسة حتى عن منظومة القيم والأخلاق.
لكن الذي تريد أن تقدمه هذه الدراسة، من خلال"الوقائع.. والوثائق.. والشهادات الغربية ذاتها"هو البرهنة على أن عداء الغرب للإسلام، وتعمده إهانة مقدساته وفي المقدمة منها رسوله العظيم.. وقرآنه الكريم هو عداء وافتراء له تاريخ!.. وأن تاريخ الغرب في اقتراف هذه الجرائم سابق حتى على علمنة الفكر الغربي والمجتمعات الغربية.. بل إن هذا الموقف الغربي من الإسلام إنما يعود إلى ظهور الإسلام!!
لقد قالها الجنرال الإنجليزي"جلوب باشا"اللفتنانت جنرال جون باجوت (1897 1986م) والذي سبق أن عمل قائدًا للجيش الأردني حتى سنة 1956م.. قالها في لحظة صدق فجاءت معبرة أصدق التعبير عن تاريخ الغرب في العداء للإسلام.. لقد قال:"إن تاريخ مشكلة الشرق الأوسط أي مشكلة الغرب مع الشرق الإسلامي إنما يعود إلى القرن السابع للميلاد"!! أي إلى ظهور الإسلام.
ليس غربًا واحدًا:
وقد حرصنا دائمًا، وفي كل ما كتبناه عن مواقف الغرب من الإسلام وحضارته وأمته، على ضرورة التمييز في الغرب بين:
1 الإنسان الغربي: الذي لا مشكلة له مع الإسلام وأمته وحضارته.. والذي يتفهم ديننا وقضايانا عندما تعرض عليه بمنطق وموضوعية.. والذي لنا من بين علمائه ومفكريه العشرات، بل والمئات الذين تحدثوا عن الإسلام وحضارته بموضوعية وإنصاف حتى إننا نتعلم من كتاباتهم.. نحن المسلمين الكثير..
2 والعلم الغربي: الذي هو مشترَك إنساني عام، استفادت فيه النهضة الأوروبية الحديثة من تراث الإسلام العلمي والحضاري، كما سبق واستفاد المسلمون فيه من تراث الحضارات القديمة الإغريقية.. والهندية.. والفارسية التي أحيا مواريثها الإسلام..
3 ومؤسسات الهيمنة الغربية: تلك التي تتركز مشكلة الإسلام والمسلمين معها، لا لأنها غربية، وإنما لأنها"إمبريالية"، سبق لها أن استعمرت الشرق ونهبته اقتصاديًا، وقهرته دينيًا وسياسيًا وثقافيًا لمدة عشرة قرون من"الإسكندر الأكبر" (356 323ق. م) في القرن الرابع قبل الميلاد وحتى"هرقل" (610 641م) في القرن السابع للميلاد!
فلما ظهر الإسلام، وحررت فتوحاته أوطان الشرق من هذا الاستعمار والقهر الغربي الإغريقي.. الروماني.. البيزنطي عاد هذا الغرب تحت أعلام الصليب، و"بأيديولوجية"الحرب الدينية المقدسة ليحارب الشرق، ويشن عليه العديد من الحملات العسكرية، التي شاركت فيها دول الغرب وإماراته وفرسان إقطاعه، بقيادة الكنيسة الكاثوليكية.. ولقد استمرت هذه الحملات الصليبية، والكيانات الاستيطانية والإحلالية التي أقامتها في قلب العالم الإسلامي قرنين من الزمان (489 690ه 1096 1291م) .
وعندما نهضت دول الفروسية الإسلامية الدولة"الزنكية النورية" (521 648ه 1127 1250م) .. والدولة"الأيوبية" (567 648ه 1171 1250م) .. والدولة"المملوكية" (648 784ه 1250 1382م) .. عندما نهضت دول الفروسية الإسلامية هذه فحررت عالم الإسلام من آثار هذه الحملات الصليبية الغربية.. بدأ الغرب دورة جديدة من دورات صراعه التاريخي ضد الإسلام والمسلمين، وذلك لإعادة اختطاف الشرق من التحرير الإسلامي.. فكانت الحروب التي أسقطت"غرناطة"، واقتلعت الإسلام من الأندلس (897ه 1492م) لتبدأ غزوة الخمسمائة عام!.. الغزوة الغربية الحديثة للشرق الإسلامي، التي لا تزال وقائعها قائمة حتى هذه اللحظات!.