فهرس الكتاب

الصفحة 10137 من 27364

وكلنا يدرك أنَّ النظام العلماني جاء في الغرب المسيحي كردة فعل لتسلط الكنيسة ورجالها ،وهذه مسألة خاصة بالديانة المسيحية لا تنطبق على الإسلام ،زيادة إلى أنَّ الديانة المسيحية ديانة عبادية ،تقتصر تشريعاتها على تنظيم علاقة الإنسان بربه ،وليست بشمولية الإسلام،باعتبار الإسلام هو خاتمة الأديان السماوية ،فجاء تشريعاته كاملة ومتكاملة شاملة جميع شؤون الحياتين الدنيوية والأخروية للأفراد والجماعات ،والشعوب والحكومات ،كما نظَّم علاقة الأفراد والجماعات بمن لا يدين بدينهم ،ولم يترك هذا التشريع صغيرة ولا كبيرة في حياة الأفراد والجماعات إلاَّ ونظَّمها ،فلقد نظَّم علاقة الفرد بوالديه وبزوجه وبأولاده ذكور وإناث ،وبأقاربه وبجيرانه ،وبخدمه ،وبحكَّامه ،وبمن من لا يدين بدينهم لذا جاء قوله تعالى في آخر آية نزلت في القرآن الكريم (( اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً ) )

والمسلمون لا يستطيعون أن يتخلوا عن الإسلام كنظام حياة في جميع شؤونهم الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والعلمية والتعليمية والإعلامية والثقافية والفكرية ،إنَّ لسان الإنسان المسلم لا ينقطع عن ذكر الله منذ لحظة يقظته في الصباح إلى لحظة منامه ،في مأكله ومشربه ،في حله وترحاله ،بل حتى عندما يعطس يذكر الله ،فديننا علمنا ماذا نقول في كل خطوة نخطوها ،فكيف نستطيع أن نتخلى عن تنظيمه لمور حياتنا ،صحيح أنَّ الغرب قد صدَّر إلينا العلمانية والماركسية والاشتراكية والوجودية،وغيرها من المذاهب والفلسفات الفكرية القائمة على الإلحاد ،وإنكار وجود الله،كما صدَّر لنا الهامبرجر والجينز وأصبح من المسلمين من يؤمن بهذه المذاهب،ولكنه في النهاية كمسلم لا يخلو كلامه من ذكر الله .

ثُمَّ ما يضير الغرب تطبيق النظام الإسلامي في الحكم ؟

الغرب يوجه انتقاداً إلى الحكومات الإسلامية بأنها حكومات غير ديمقراطية ،ألا تعرفوا بأن الإسلام هو أول من نادي بالديمقراطية ،وطَّبقها في الحكم ؟

سأوضِّحُ لكم هذا من خلال توضيح الأسس التي يقوم عليها الحكم في الإسلام:

1-الحرية: ولقد حرَّر الإسلام الإنسانية من كل ألوان العبودية للخلق عندما أعلن أنَّ الله هو المعبود الوحيد ولا معبود سواه ،ولعل مقولة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه لابن والي مصر عندما ضرب القبطي: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) كانت بمثابة ميثاق لأسس الحرية الإنسانية وتخليصها من كل أصناف العبودية للخلق ،وقد احترم لإسلام الحرية الدينية ،وحرية الملكية ،وحرية اختيار الحاكم ،وحرية مراقبته وإبداء الرأي .

2-الشورى:وهي من الدعائم الأساسية التي يرتكز عليها نظام الحكم في الإسلام ،وقد أوجب الشورى على أولي الأمر ،وذلك في الوحي المكي والمدني ،ففي القرآن الكريم سورة سميت باسم"سورة الشورى"،وهي سورة مكية يقول تعالى فيها: (( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم وممَّا رزقناهم ينفقون ) ) ( آية 38) ففي هذه الآية قرن الله نظام الشورى بالصلاة ولصدقة ليدل على أنَّ الشورى بين ولاة الأمر من أسس الإسلام ،وأنَّ الاستبداد ليس من شأن المؤمنين.وفي الوحي المدني ركَّزَّ جلَّ شأنه على مبدأ الشورى وألزم رسوله الكريم بالالتزام به ،وفي هذا إشارة إلى أنَّه مهما بلغ قدر الحاكم وعلمه ومكانته فهو ملزم بالشورى مادام نبي الله قد ألزم بالشورى وهو يوحى إليه فيقول تعالى مخاطباً رسوله: (( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ) ) ( آل عمران: 159) وقد ثبت أنَّ الرسو صلى الله عليه وسلم كان دائم التشاور مع أصحابه ،وكثيراً ما نزل عند رأيهم ،من ذلك: استشارته لهم في اختيار المكان الذي ينزل فيه المسلمون يوم بدر ،وأخذه برأي الحباب بن المنذر ،واستشارته لهم فيما يعمل بشأن الأسرى في الغزوة ذاتها ،فوافق على رأي أبي بكر رضي الله عنه الذي أشار عليه بالفداء ،ونزوله على رأي الشباب بالخروج في يوم أحد ،كما أخذ رأي زوجه أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها في موقف الصحابة رضوان الله عليهم من صلح الحديبية ،وفي هذا تأكيد على أنّ الشورى من حق المرأة كما هي من حق الرجل ،والخطاب القرآني في الآيتين الكريمتين جاء في صيغة العموم شاملاً الذكور والإناث معاً ،كما هو معتاد في مجمل الأحكام والتشريعات،وأكد عليه أخذ الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطّاب رضي الله عنه برأي المرأة عندما جمع المسلمين ليأخذ رأيهم في تحديد المهور ،فحاجته امرأة قرشية بالآية القرآنية رقم 20 في سورة النساء (( وإنْ أَردتمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَأَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارَاً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئَاً أَتَأخذُونَهُ بُهْتَانَاً وإِثْمَاً مُّبِينَا ) )فاعتلى المنبر معلناً على الملأ قولته الشهيرة: ( أخطأ عمر وأصابت امرأة )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت