وسرُّ ذلك: أن المقصود أن المخلوق لا يُماثله سبحانه في شيءٍ من صفاته وخصائصه، وأما كونه سبحانه هو لا يُماثل المخلوق ولا يُشابهه؛ ولا هو ندٌّ له ولا كفؤٌ: فليس فيه مدح له، فإنه لو مُدِحَ بعضُ الملوك أو غيرُهم بأنه لا يُشبه الحيوانات، ولا الحجارة، ولا الخشب ونحو ذلك: لم يُعدَّ هذا مدحًا ولا ثناء عليه ولا كمالًا له، بخلاف ما إذا قيل: لا تجعل للمَلِك ندًّا ولا كفؤًا ولا شبيهًا من رعيَّته؛ تُعظِّمه كتعظيمه، وتُطيعه كطاعته، فإنه ليس في رعيَّته من يُساميه، ولا يُماثله، ولا يُكافئه: كان هذا غاية المدح.
وكذلك قوله سبحانه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) } [الشورى: 11] إنما قُصِدَ به نفي أن يكون معه شريكٌ أو معبودٌ يستحق العبادة والتعظيم؛ كما يفعله المُشبِّهون والمشركون، ولم يُقصد به نفي صفات كماله؛ وعُلُوِّه على خلقه وتكلَّمه بكتبه وتكليمه لرسله؛ ورؤية المؤمنين له جهرة بأبصارهم كما تُرى الشمسُ والقمرُ في الصحو، فإنه سبحانه إنما ذكر هذا في سياق ردِّه على المشركين الذين اتخذوا من دونه أولياء يوالونهم من دونه (1) .
(1) إغاثة اللهفان 2/ 322 - 338"باختصار".