والقرآن مملوءٌ من إبطال أن يكون في المخلوقات ما يُشبه الربَّ تعالى أو يماثله، فهذا هو الذي قُصِدَ بالقرآن؛ إبطالًا لما عليه المشركون والمُشبِّهون العادلون بالله تعالى غيره. قال تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 22] ، وقال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165] ، فهؤلاء جعلوا المخلوق مثلًا للخالق، فالندُّ: الشبه. يقال: فلانٌ ندُّ فلانٍ؛ ونديده: أي مثله وشبهه. ومنه قول حسَّان بن ثابتٍ - رضي الله عنه:
أتهجوه ولست له بندٍّ فشرُّكما لخيركما الفداء
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له ما شاء الله وشئت: (أجعلتني لله ندًّا) (1) 1).
وقال جرير:
أتيمًا تجعلون إليَّ ندًّا وما تَيْمٌ لذي حَسَبٍ نديدُ
... ومثله قوله تعالى عن هؤلاء المُشبِّهين أنهم يقولون في النار لآلهتهم: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) }
[الشعراء: 97، 98] .
فاعترفوا أنهم كانوا في أعظم الضلال وأبينه؛ إذ جعلوا لله شبهًا وعدلًا من خلقه؛ سوَّوهم به في العبادة والتعظيم.
وقال تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) } [مريم: 56] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما:"شبهًا ومثلًا".
وهو من يُساميه، وذلك نفي عن المخلوق أن يكون مشابهًا للخالق ومماثلًا له؛ بحيث يستحقُّ العبادة والتعظيم، ولم يقل سبحانه هل تعلمه سميًّا أو مشبهًا لغيره، فإن هذا لم يقله أحدٌ، بل المشركون المُشبِّهون جعلوا بعض المخلوقات مشابهًا به مساميًا، وندًّا، وعدلًا، فأنكر عليهم هذا التشبيه، والتمثيل.
(1) البخاري في الأدب المفرد (804) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص 292.