وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت:"جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الله قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار) " (1) .
ومن الرحمة التي تغيب عن كثير من الأذهان رحمة عموم الخلق مسلمهم وكافرهم، قال ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في أهل البدع:"ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر - والحيرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم - رحمتهم ورفقت عليهم، أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء، وأعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا، وأعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدة: {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) } [الأحقاف: 26] (2) ."
ويقول ابن القيم - رحمه الله تعالى - في نونيته:
وانظر بعين الحكم وارحمهم بها إذ لا ترد مشيئة الديان
وانظر بعين الأمر واحملهم على أحكامه فهمًا إذا نظران
واجعل لقلبك مقلتين كلاهما من خشية الرحمن باكيتان
لو شاء ربك كنت أيضًا مثلهم فالقلب بين أصابع الرحمن (3)
رابعًا: التعرض لرحمة الله تعالى بفعل أسبابها:
(1) البخاري (1418) ، ومسلم (2630) واللفظ له.
(2) الفتوى الحموية ص 553.
(3) شرح قصيدة ابن القيم 1/ 131.