وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لله أفْرَحُ بتوبة عبده - حين يتوب إليه - من أحدكم، كان على راحلة بأرض فلاة؛ فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه. فأيس منها. فأتى شجرةً فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده. فأخذ بخطامها. ثم قال - من شدة الفرح - اللَّهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح) (1) هذا لفظ مسلم. ولا يهلك على الله إلا هالك ولا يخرج عن رحمة الله تعالى إلا من يعلم الله تعالى أنه لا يستحق الرحمة البتة، وهم القوم الكافرون؛ قال الله تعالى: {إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) } [يوسف: 87] ويمكن أن نجد هذا المعنى في قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو يدعو أباه الكافر: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) } [مريم: 45] ، فاختيار إبراهيم صلى الله عليه وسلم: اسم (الرحمن) في تحذير أبيه من العذاب فيه سر لطيف لأن المتبادر للعقل أن يربط العذاب باسم من أسمائه سبحانه يناسب العقاب أما أن يربط العذاب باسمه (الرحمن) فلا شك أن في ذلك سر لطيف ألا وهو - والله أعلم - أن إبراهيم أراد أن يفتح لأبيه باب الرجاء والتوبة فإن الله - عز وجل - رحيم يقبل توبة التائبين مهما عملوا. وكذلك ربما أراد إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن يعلم أباه أنه إن أصابك العذاب ممن اسمه (الرحمن) الذي وسعت رحمته كل شيء، فإن هذا يدل على أنه ليس فيمن عذبه الرحمن ذرة تستحق الرحمة؛ إذ لو كان فيه موجب الرحمة لرحمه.
رابعًا: ومن آثار رحمته سبحانه ما يضعه في قلوب الأمهات من رحمة نحو أولادهن سواء كان ذلك عند الإنسان أو الحيوان من وحش وطير وهوام. وأن رحمة الله - سبحانه وتعالى - أعظم وأوسع من رحمة الأمهات بأولادهن.
(1) البخاري (6309) ، ومسلم (2747) .