وقد اختلف في استغاثة المشركين وإعانتهم: فلم يجز ذلك مالك وأجازه أبو حنيفة والشافعي. ودليلنا عليهم قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ال تتخذوا بطانة من دونكم} الآية، وقوله: {وما كنت متخذ المضلين عضدًا} [الكهف: 51] ، وقوله في المنافقين: {لو خرحوا فيكم ما زادوكم إلا خبالًا} [التوبة: 47] ، وقال عليه الصلاة والسلام: (( لا أستعين بمشرك ) ).
واختلف في الاستعانة بأهل الذمة وأهل الحرب إذا دخلوا بأمان على أهل البغي. فقال الشافعي: لا يجوز ذلك. وقال أصحاب الرأي: لا بأس بذلك، وحجة القول الآية.
(128) - قوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} :
اختلف الناس في هذه الآية هل هي ناسخة أم لا؟ فزعم بعض الكوفيين أنها ناسخة للقنوت الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في الصبح. وذلك أنه كان يدعو على قوم ويلعنهم، فأنزل الله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} .
وذهب أكثر العلماء إلى أن هذا ليس بناسخ، وإنما هو زيادة فائدة اقتدى النبي صلى الله عليه وسلم بها، ولو كان النسخ صحيحًا لم يجز أن يلعن المنافقين، وهذا هو الصحيح أنها غير ناسخة لشيء، وإنما نزلت على ما روي حين هزم وشج في وجهه حتى دخلت بعض حلق الدرع في خده وكسرت رباعيته وارتث بالحجارة حتى صلاع لجنبه وتحيز صلى الله عليه وسلم عن الملحمة وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: (( لا يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم ) )فنزلت الآية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم عل ما قيل، لما لحقته في تلك الحال من اليأس من فلاح قريش، فمالت نفسه إلى أن يستأصلهم ويريح منهم، فروي أنه دعا على أبي سفيان، والحارث بن هشام، وصفوان بن أمية باللعنة إلى غير هذا من معناه، فقيل له بسبب ذلك: {ليس لك من الأمر شيء} أي عواقب الأمور بيد الله تعالى فامض أنت لشأنك ودم على الدعاء إلى ربك.
وقد اختلف في الدعاء على الكفار والمنافقين وفي غير ذلك من حوائج الدنيا والآخرة في الصلاة، فأجازه أكثر العلماء، ولم يروا الآية ناسخة لشيء من الدعاء في الصلاة. ومنع الكوفيون أن يدعى في الصلاة إلا بما