من تسبب له وأخذ فِي طريقته ، وكثيراً ما اتفق للمتاخر فيه أبدعُ مما جاء به المتقدم ؛ لأنه أمر عموده الطبع ؛ وأسبابه فِي الاكتساب والتمرين ، والبراعة فيه بالتوليد والمحاكاة والتأمل ؛ وهذه
ضروب كلما اتسعت أمثلتُها اتسعت فنونها ، لاشتقاق بعضها من بعض ؛ وبها انتهت البلاغة فِي المتأخرين إلى ما انتهت إليه مما ذهب أكثره من علم المتقدمين فِي صدر اللغة .
وتلك الغرابة التي أومأنا إليها ، وقد يتفق الشيء القليل منها لافراد الفصحاء وأئمة البيان ، مما ينفذ فيه الطبع اللغوي ، والمنزع القوي ، وهو من غرابة القريحة فيهم ؛ على أن ذلك لا يعدو كلمات معدودة: كقول امرئ القيس فِي الجواد: (قيدِ الأوابد) وقول أبي تمام فِي الرأي: (وطن للنُّهى) ونحو ذلك من الكلمات الجامعة التي تتفق لفحول الشعراء والبلغاء ، مما هو فِي الحقيقة
وضغ لغوي مركب ، يشبه الوضع اللغوي فِي الكلمات المفردة ، فيتناول اللغة والبلاغةَ جميعاً ، وتكون فضيلته فِي الجهتين .
بَيدَ أنك ترى جملة تراكيب القرآن من غرابة النظم ، على ما يشبه هذا الوضعَ فِي ظاهر الغرابة وترى فيه من البلاغة الجامعة خاصة أضعاف ما أنت واجده لأهل اللغة كلهم من الشعراء
والخطباء والكتاب ، وهذا الضرب من البلاغة تحصي منه فِي كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يرجح بكثير من الناس . ولكن لا يعمهم ؛ وهو باب من أبواب بلاغته عليه الصلاة والسلام بل من أخص أبوابها .
كما نبسطه فِي موضعه .
ولا يذهبن عنك أن وضع الألفاظ المفردة إنما يقع فِي أزمان متطاولة وعصور متعاقبة .
ولا يلبث اللفظ أن يوضع حتى يجري فِي الاستعمال ويستوفي وجوه التركيب التي يقلب عليها .
فنزول القرآن فِي بضع وعشرين سنة . واجتماعه من سبع وسبعين ألف كلمة ونيف ؛ بهذه التراكيب التي