فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 4467 من 466147

غرابة أخرى يُحس بها طبع المخلوق ويعتريه لها من الروعةِ ما يعتري من الفرق بين شيء إلهي وشيء إنساني - لما أصبت فِي كل ذلك مما تختاره إلا لغة وأوضاعاً ومعاني إنسانية، تقيع بجملتها دون قصدها الذي أردت، ولا ترضاها للتمثيل والمقابلة، ولا تراها تحل مع القرآن إلا فِي محل

نافر ولا تنزل منه إلا فِي قاصية شاردة؛ ثم لوجدت فرق الغرابة الإلهية بين اثنينهما فِي الكلام عينَ ما تعرفه من الفرق بين الماء فِي سحابه، والماء فِي ترابه.

وما من بليغ يتدبر هذه الأوضاع فِي القرآن؛ ثم تحدثه النفس فِي خاطراً إنسانياً يتشؤف إلى مثلها، أو يضل بها صبباً من أسباب المطمعة، أو يظن أنه قادز عليها، إذ يرى غرابة الوضع في

تركيب الألفاظ أشبه شيء بالتوقيف الإلهي فِي وضع الألفاظ نفسها لو كان وضعها ابتداءَ واختراعاً فِي اللغة وكان ذلك فِي زمنه (أي البليغ) أو بعين منه بحيث تظهر له غرابة الوضع اللغوي خالصة

جديدة، لا شوبَ فيها مما يألفه السمع أو تمكنه العادة، أو نحو ذلك مما يجعلُ الغريبَ مأنوساً، أو يأخذ من غرابته أو يصقِلُ بعض جهاتها.

فيظهر الأمر الغريب وكأنه غير ما هو فِي نفسه.

على أنه لا يجد مع تلك الغرابة فِي أوضاع القرآن، إلا ألفاظاً مؤتلفة متمكنة، التئام سردها وتناصُف وجوهها؛ لا ينازع لفظ واحد منها إلى غير موضعه، ولا يَطلُب غير جهته من الكلام.

ولعمري إن اتفاق هذا الإحكام العجيب مع غرابة الوضع، لهو أغرب منها فِي مذهب البلاغة،

وأدخلُ فِي باب العجب، ولولا أن الأمر إلهي، ولا عجب من قدرة الله.

وقد كان العرب إنما يرَكبون ألفاظهم فِي معاني مألوفة وعلى سُنن معروفة فإن وقع فيها شيء غريب فلا يكون من انتلاف اللفظ مع اللفظ وإنما يجيء من أبواب أخرى تتعلق بهيئة التركيب نفسه؛ على ما عرف من جهات البلاغة وفنونها. وذلك شيء لا ينقضُ العُرف، بل يتهيأ مثلُهُ لكل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت