ثم لا يُدلّ عليها حين التعرف إلا بصفات كل نفس لمواقع تلك الآثار منها ، كان هذه الروح تحاول أن تفصِح عن معاني النبوغ الفني فِي آثارها الخالدة ، فلا تجد أقربَ إلى غرضها من أن تهيج الإحساس بها فِي كل نفس ، يجيئ ذلك فِي البيان عنها ، لأن الإحساس إنما هو اللغة النفسية
الكاملة .
والكلام بالطبع يتركب من ثلاثة حروف هي من الأصوات ، وكلمات هي من الحروف ، وجُمَل هي من الكلم .
وقد رأينا سر الإعجاز فِي نظم القرآن يتناول هذه كلها بحيث خرجت من
جميعها تلك الطريقة المعجزة التي قامت به ؛ فليس لنا بد فِي صفته من الكلام فِي ثلائتها جميعاً .
ولا يذهبن عنك أن هذه المذاهب الكلامية التي بُنيت عليها علوم البلاغة ووُضعت لها أمثلة هذه العلوم ، إنما هي من وراء ما نعترضه فِي هذا الباب فليست من غرضنا فِي جملة ولا تفصيل ،
وحسبك فيها كتاب (دلائل الإعجاز) لعبد القاهر الجرجاني ، ونحن إنما نبحث فِي القرآن من جهة ما انفرد به فِي نفسه على وجه الإعجاز ، لا من جهة ما يشركه فيه غيره على أي وجه من الوجوه وأنواعُ البلاغة مستفيضة فِي كل نظام سوِي وكل تأليف مونق ، وكل سبك جيد ، وما كان
من الكلام بليغاً فإنه بها صار بليغاً ، لمان كانت هي بعدُ فِي أكثر الكلام إلى تفاوت واختلاف .
ومن أظهر الفروق بين أنواع البلاغة فِي القرآن ، وبين هذه الأنواع فِي كلام البلغاء ، أن نظم القرآن يقتضي كلَّ ما فيه منها اقتضاءاً طبيعياً بحيث يُبنى هو عليها لأنها فِي أصل تركيبه ، ولا تبنى
هي عليه ؛ فليست فيها استعارة ولا مجاز ولا كناية ولا شيء من مثل هذا يصح فِي الجواز أو فيما يسعه الإمكان أن يصلح غيره فِي موضعه إذا تبدلته منه ، فضلاً عن أن يفي به ، وفضلاً عن أن يربى عليه ،
ولو أدرتَ اللغة كلها على هذا الموضع .