وهذا عبد الحميد الكاتب رأس تاريخ الكتابة العربية وواضع طريقتها ، فقد أخذ نفسه بحفظ كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرادها على طريقته ، ثم جاءت كتابته فناً آخر لم يستحكم اتفاق الأسلوب بينها وبين ما أثر من كلام الإمام علي ، وقد قيل إن"نهج البلاغة"
مصنوع ، وضعه الشريف الرضي ونجله أمير المؤمنين ، والصحيح أن فيه الأصيل والمولَّد . وربما انفردا وربما تمازجا ونحن نستطيع بطريقتنا أن نزايل بين ما فيه من ذلك ، ونبين وضعاً من وضع ؛
فإن المزاجين لمختلفان كما يُعرف من صفة الإمام علي ومن صفة الشريف .
من ذلك يخلصُ لنا أن القرآن الكريم إنما ينفرد بأسلوبه ، لأنه ليس وضعاً إنسانيأ ألبتة ، ولو كان من وضع إنسان لجاء على طريقة تشبه أسلوباً من أساليب العرب أو من جاء بعدهم إلى هذا العهد ، ولا من الاختلاف فيه عند ذلك بد فِي طريقته ونسقِه ومعانيه (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82) .
ولقد أحسَّ العرب بهذا المعنى واستيقنه بلغاؤهم ولولاه ما أفحموا
ولا انقطعوا من دونه ، لأنهم رأوا جنساً من الكلام غير ما تؤديه طباعهم ، وكيف لهم فِي معارضته بطبيعة غير مخلوقة ؛
ولما حاول مسيلمة أن يعارضه جعل يطبع على قالِبه ، فجاء بشيء لا يشبهه ولا يثبه كلام نفسه ، وجنحَ إلى أقرب ما فِي الطباع الإنسانية وأقوى ما فِي أوهام العرب من طرق السجع ، فأخطأ الفصاحة من كل جهاتها ، وإن الرجل على ذلك لفصيح .
وما دامت قوة الخلق ليست فِي قدرة المخلوق ، فليس فِي قدرة بشر معارضة هذا الأسلوب ما دامت الأرض أرضاً ، وهذا هو الصريح من معنى قوله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88) .
صدق الله العظيم .