فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 4429 من 466147

وبعدُ فأنت تعرف أن أفصح الكلام وأبلغه وأسراه وأجمعه لحرِّ اللفظ ونادر المعنى ، وأخلقَه أن يكون منه الأسلوب الذي يحسمُ مادة الطبع فِي معارضته ، هو ذلك الذي تريده كلاماً فتراه نفساً حية ، كأنها تُلقي عليك ما تقرؤه ممزوجاً بنبرات مختلفة وأصوات تدخل على نفسك - إن كنت

بصيراً بالصناعة متقدماً فيها - كل مدخل ، ولا تدع فيها إحساساً إلا أثارته ، ولا إعجاباً إلا استخرجته ، فلا يعدو الكلام أن يكون وجهاً من الخطاب بين نفسك ونفس كاتبه ، وتقرؤه وكأنك تسمعه ، ثم لا يَلجُ إلى فؤادك حتى تصير كأنك أنت المتكلم به ، وكأنه معنى فِي نفسك ما يبرحُ

مختلجاً ولا ينفك ماثِلاً من قديم ؛ مع أنك لم تعرفه إلا ساعتك ، ولم تجهد فيه ، ولا اعتملت له ؛

وذلك بما جَوَّده صاحبه ، وبما نفث من روحه ، وما بالغ فِي تصفيته وتهذيبه ، وما اتسع فِي تأليفه وتركيبه ، حتى خرج مطبوعاً من أثر مزاجه وأثر نفسه جميعاً فكأنه مادة روحية منه .

وقد رأينا بلغاء هذه الطريقة فِي الأساليب العربية ، يتوخون إليها فِي تصاريف الألفاظ ؛ وتمكين الأسلوب ، وإرهاف الحواشي ، واجتناب ما عسى أن تبعث عليه رخاوة الطبع وتسمح النفس ، من حشوٍ أو سفساف أو ضعف أو قلق ، ثم التوكيف للمعنى بالمترادفات المتباينة في

صورها ، ثم الاستعانة بالمعطوفات على النسق ، وبالإسجاع على الأسلوب ، وبوجوه الصنعة

البيانية على كل ذلك ، فلا تقرأ سطراً من كلامهم إلا أصبت ماء ورونقاً ، ولا تمر فيه حتى يُقبل عليك بالصنعة من وجهها المصقول ، وحتى يبادرك أنه التنقيح والتهذيب بين الكلمة وأُختها ،

والجملة وضريبتها وحتى لو كنت ذا بَصر بالصناعة ، وقد عركَتك وعركتها ؛ وكنت أملَكَ بصعابها ، وأخبر بشعابها - لعرفت فضول الكلام كيف حذِفت ، وألفاظه كيف نزلت ، ومحاسنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت