الطبيعي الذي به اختلفت الأمزجة بعضُها عن بعض على حسب ما يكون فيها أصلاً أو تعديلاً ؛ كالعصبي البحْت ، والعصبي الدموي ، وغير ذلك مما هو مقرر فِي الفروع الطبية ، حتى كأن الأسلوب فِي إنشاء كل بليغ متمكن ليس إلا مزاجاً طبياً للكلام ، وما الكلام إلا صورة فكرية من صاحبه .
وقد أمعنا فِي هذا الاستنتاج ، وقلبنا عليه كل ما نقرؤه من أساليب العربية - وهي معدودة -
ومَرَرنا على ذلك زمناً ، حتى صار لنا أن نستوضحَ أكثر أوصاف الكاتب من أسلوب كتابته ، برد ذلك إلى الأوصاف النفسية التي تكون من تأثير الأمزجة والتي قلما تتخلف فِي الناس ، وبها أشبه بعضهم بعضاً ، وبها كان التاريخ يعيد نفسه .
وأنت تتبين هذه الحقيقة إذا عرفت أديباً ليمفاوي المزاج مثلاً ، وأردته على أن يأخذ في
أسلوب كأسلوب الجاحظ ، وهو من أدق الأساليب العصبية . فإنه لا يصنع شيئاً ، وإذا نُتج له كلام على هذه الطريقة فلا يجيء إلا مضطرباً متعثراً مطبَقاً بأبواب التعسف والتكلف ، وكأنه نتاج بين
نوعين متباينين من الخلق ؛ ولكن هذا الأديب عينه إذا أخذ فِي طريقة السجع أو الترصل المتداخل الذي ليس حذراً ولا مساوقة كترسل الجاحظ وأضرابه - فقد لا يتعلق بجيده فِي ذلك شيء .
ولا يزال بيننا أدباء وعلماء بالبلاغة ووجوه الكلام يعجبَون كيف لا يتهيأ لأحدهم أسلوب كأسلوب ابن المقفع أو عبد الحميد أو سهل بن هارون أو الجاحظ ، وكيف لا تستقل له طريقة من ذلك على كثرة ما حاولوا من تقليده والأخذ فِي ناحيته ؛ ولا يدرون أنهم يحملون سر إخفاقهم ،
وأن أحدهم إذا استطاع تعديل مزاجه على وجه من الوجوه الطبية ، ليكون بين مزاجين ، فقد يستطيع تعديل أسلوبه على وجه يكون وسطاً بين أسلوبين .