وَجَمِيعُ ذَلِكَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ النَّظَرِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ وَآخِرِهِ بِحَسَبِ تِلْكَ الِاعْتِبَارَاتِ؛ فَاعْتِبَارُ جِهَةِ النَّظْمِ مَثَلًا فِي السُّورَةِ لَا تتم بِهِ فَائِدَةٌ إِلَّا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ جَمِيعِهَا بِالنَّظَرِ؛ فَالِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِهَا فِيهِ غَيْرُ مُفِيدٍ غَايَةَ الْمَقْصُودِ، كَمَا أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى بَعْضِ الْآيَةِ فِي اسْتِفَادَةِ حُكْمٍ مَا لَا يُفِيدُ إِلَّا بَعْدَ كَمَالِ النَّظَرِ فِي جَمِيعِهَا.
فَسُورَةُ الْبَقَرَةِ مَثَلًا كلامٌ وَاحِدٌ بِاعْتِبَارِ النَّظْمِ 1، وَاحْتَوَتْ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْكَلَامِ بِحَسَبِ مَا بُثَّ فِيهَا، مِنْهَا مَا هُوَ كَالْمُقَدِّمَاتِ وَالتَّمْهِيدَاتِ بَيْنَ يَدَيِ الْأَمْرِ الْمَطْلُوبِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ كَالْمُؤَكِّدِ وَالْمُتَمِّمِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ الْمَقْصُودُ فِي الْإِنْزَالِ، وَذَلِكَ 2 تَقْرِيرُ الْأَحْكَامِ عَلَى تَفَاصِيلِ الْأَبْوَابِ، وَمِنْهَا الْخَوَاتِمُ الْعَائِدَةُ عَلَى مَا قَبْلَهَا بِالتَّأْكِيدِ وَالتَّثْبِيتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَلَا بُدَّ مِنْ تَمْثِيلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ؛ فَبِهِ يُبَيَّنُ مَا تَقَدَّمَ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ...} إِلَى قَوْلِهِ: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الْبَقَرَةِ: 183 - 187] كَلَامٌ وَاحِدٌ وَإِنْ نَزَلَ فِي أَوْقَاتٍ شَتَّى، وَحَاصِلُهُ بَيَانُ الصِّيَامِ وَأَحْكَامِهِ، وَكَيْفِيَّةِ آدَائِهِ 3، وَقَضَائِهِ، وَسَائِرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْجَلَائِلِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا وَلَا يَنْبَنِي إِلَّا عَلَيْهَا.
ثُمَّ جَاءَ قَوْلُهُ: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} الْآيَةَ [الْبَقَرَةِ: 188] كلامًا 4 آخر بين أحكامًا أخر.
1 انظر تفصيل ذلك في:"النبأ العظيم""ص 163 إلى آخر الكتاب"، و"النظم في سورة البقرة"لحسين الدراويش، أطروحة دكتوراه عن قسم الآداب في الجامعة الأردنية.
2 أي: المقصود الأول في الإنزال هو تقرير الأحكام في كل باب وقضية من القضايا المتعددة."د".
3 في"د":"آدابه"، وهو خطأ، وما أثبتناه من الأصل و"ف"و"م"و"ط".
4 في"ط":"كلام".