ونلاحظ هذا العنصر الجمالي في قول الله تعالى في سورة النور: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) } .
القيعة: كالقاع وهو ما استوى من الأرض.
لُجِّيّ: أي عظيم عميق.
وفي قوله تعالى عقب النّص السابق بآيتين: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43) } .
يُزْجي: يَسُوق برفق.
رُكَاماً: أي: بعضه فوق بعض.
الوَدْق: المطر.
سَنَا: ضَوْء.
أَلَسْنا نلاحظ في هذه الأمثلة الثلاثة إتقاناً عجيباً في إبراز دقائق الصورة، مع استيفاء العناصر اللازمة لإِبراز الحقيقة بشكل واضح وجميل، ومع ترك جوانب في الصورة يتابعها الفكر وحده، ويستكملها الخيال بنفسه.
فالصورة في المثال الأوّل قدّمت أعمال الكافرين على شكل سراب، يراه الظمآن السائر في الصحراء وهو بعيد عنه ماءً، فيسعى إليه ليشرب من مائه، ويُطْفِئَ ظمأه، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، لأنَّه كان انعكاس أشعةٍ تُخيِّل للناظر إليه من بعد أنّه ماء.
وكذلك حال الكافر الذي يقدِّم أعمالاً يَظُنُّ أنّها تُسعدهُ في دنياه، أوتنفعه في آخرته، وما هي في الحقيقة إلاَّ بمثابة سراب، وهو إذا وصل إلى موطن المحاسبة والجزاء على الأعمال، لم يجد أعماله شيئاً، لأنّها لم تكن ثمرة إِيمان بالله واليوم الآخر، بل وجد الله عنده هو الذي له الحكم والأمر، وبيده الحساب والجزاء، فوفّاه حسابه بعدله وحكمته، فحاسبه على كفره، فسقط بالمحاسبة على الكفر كلُّ عمل صالح كان قد عمله، لأنّه لم يكن قائماً على أساس مقبول عند الله.