فظاهر هذه الآية التكرير، وليس الأمر كذلك فإن الحصر وإن كان شاملا لهما، لكنه مختلف، فالآية الأولى إنما وردت في حصر الإيمان، وأنه لا إيمان حقيقة إلا الإيمان بالله ورسوله، وما عداهما لا يعد من الإيمان، ولا يكون داخلا في ماهيته، وتعريضا بحال من أنكر التوحيد والنبوة، فإنه غير داخل في هذه الصفة بحال، والآية الثانية فإنما وردت على جهة الحصر في المستأذنين، كأنه قال صفة الاستئذان مقصورة على كل من آمن بالله ورسوله، فلا يتأخر إلا بأمر من جهتك، ولا يقدم ولا يحجم إلا عن رأيك، لاطمئنان نفسه بالإيمان، ورسوخ قدمه فيه، فهذا هو المستأذن حقيقة، فأما من كان غير مؤمن بالله ولا معرج على التصديق بك، فليس من استئذانك في ورد ولا صدر، فقد ظهر بما ذكرناه تغاير الآيتين بما أبرزناه من معناهما، فهكذا تفعل في كل ما ورد عليك من الآي القرآنية، فإن التكرير فيه كثير، ورب كلام يكون الإطناب فيه أبلغ من الإيجاز، وتصير البساطة له كالعلم والطراز، ولولا خشية الإطالة لأوردنا جميع التكريرات كلها، وأظهرنا تغايرها، وفيما أشرنا إليه كفاية لما نريده من ذلك.
ومن التكرير الفائق ما ورد في السنة الشريفة كقوله صلّى الله عليه وسلّم في وصف يوسف الصديق عليه السلام «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم» يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، يعني أنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، فقد تنوسخ من الأصلاب الشريفة إلى الأرحام الطاهرة، فهذا تكرير بالغ دال على نهاية الشرف، وإعظام المنزلة، ورفع الرتبة عند الله.
(قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ...(64)
(قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ) [سورة الأحزاب: 18] وقوله تعالى: (قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ) وقوله تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ) [سورة الأنعام: 33]
فما هذا حاله دال على القلة، لأن المضارع إذا لصق به قد، فهو دال على القلة والغرض ههنا التكثير والتحقيق للعلم بما ذكره، وإنما أورده على جهة التهكم بهم والاستهانة بحالهم حيث أسروا الخدع والمكر جهلا بأن الله تعالى غير مطلع على تلك الخفايا ولا محيط بتيك السرائر، فأورده على جهة التقليل، والغرض به التحقيق انتقاصا بحالهم في ظنهم لما ظنوه من ذلك. انتهى انتهى {الطراز لأسرار البلاغة، للمؤيد بالله} ...