فَأَمَّا فَتْحَةُ الْمِيمِ فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا حُرِّكَتْ بِهَا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَلَمْ يَجُزِ الضَّمُّ وَلَا الْكَسْرُ، كَمَا جَازَ فِي رُدَّ، وَرَدُّ، وَرَدِّ، لِطُولِ الْكَلِمَةِ بِوَصْلِ «هَا» بِهَا، وَأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا مَعَهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا فُتِحَتْ مِنْ أَجْلِ التَّرْكِيبِ كَمَا، فُتِحَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ وَبَابُهَا.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَصْلُهَا هَلْ أَمْ فَأُلْقِيَتْ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ عَلَى اللَّامِ، وَحُذِفَتْ، وَهَذَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ أَمْرٌ. وَ «هَلْ» إِنْ كَانَتِ اسْتِفْهَامًا فَلَا مَعْنَى لِدُخُولِهِ عَلَى الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى قَدْ، فَلَا تَدْخُلُ عَلَى الْأَمْرِ، وَإِنْ كَانَتْ «هَلْ» اسْمًا لِلزَّجْرِ، فَتِلْكَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْفَتْحِ، ثُمَّ لَا مَعْنَى لَهَا هَاهُنَا.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (151) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: (مَا حَرَّمَ) : فِي «مَا» وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: حَرَّمَهُ.
وَالثَّانِي: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ.
(أَلَّا تُشْرِكُوا) : فِي «أَنْ» وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: هِيَ بِمَعْنَى أَيْ، فَتَكُونُ لَا عَلَى هَذَا نَهْيًا.
وَالثَّانِي: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ، وَفِي مَوْضِعِهَا وَجْهَانِ:
-أَحَدُهُمَا: هي مَنْصُوبَة وفى ذَلِك وَجْهَان (أَحدهمَا هِيَ بَدَلٌ مِنَ الْهَاءِ الْمَحْذُوفَةِ أَوْ مِنْ «مَا» ، وَ «لَا» زَائِدَةٌ؛ أَيْ: حَرَّمَ رَبُّكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَالْعَامِلُ فِيهَا عَلَيْكُمْ، وَالْوَقْفُ عَلَى مَا قَبْلَ عَلَى؛ أَيِ: الْزَمُوا تَرْكَ الشِّرْكِ) .