وفى مقدم جهازه الغذائى أسنانه المنضودة نضدا صالحا للقطع والكسر والنهش والطحن من ثنايا ورباعيات وأنياب وطواحن ، فلا هو مثل الغنم والبقر من الأنعام لا تستطيع قطعا ونهشا ، ولا هو كالسباع لا تستطيع طحنا ومضغا .
ثم القوة الذائقة المعدة في فمه التي تستلذ طعم اللحوم ثم الشهوة المودعة في سائر أعضاء هضمه جميع هذه تستطيب اللحوم وتشتهيها .
كل ذلك هداية تكوينية وإباحة من مؤتمر الخلقة ، وهل يمكن الفرق بين الهداية التكوينية ، وإباحة العمل المهدى إليه بتسليم أحدهما وإنكار الآخر ؟ .
والإسلام دين فطرى لا هم له إلا إحياء آثار الفطرة التي أعفتها الجهالة الإنسانية ، فلا مناص من أن يستباح به ما تهدى إليه الخلقة وتقضى به الفطرة .
وهو كما يحيى بالتشريع هذا الحكم الفطري يحيى أحكاما أخرى وضعها واضع التكوين ، وهو ما تقدم ذكره من الموانع من الاسترسال في حكم التغذى أعنى حكم العقل بوجوب اجتناب ما فيه ضرر جسماني أو معنوى من اللحوم ، وحكم الاحساسات والعواطف الباطنية بالتحذر والامتناع عما يستقذره ويتنفر منه الطباع المستقيمة ، وهذان الحكمان أيضا ينتهى أصولهما إلى تصرف من التكوين ، وقد اعتبرهما الإسلام فحرم ما يضر نماء الجسم ، وحرم ما يضر بمصالح المجتمع الإنساني ، مثل ما أهل به لغير الله ، وما اكتسب من طريق الميسر والاستقسام بالأزلام ونحو ذلك ، وحرم الخبائث التي تستقذرها الطباع .
وأما حديث الرحمة المانعة من التعذيب والقتل فلا شك أن الرحمة موهبة لطيفة تكوينية أودعت في فطرة الإنسان وكثير مما إعتبرنا حاله من الحيوان ، إلا أن التكوين لم يوجدها لتحكم في الأمور حكومة مطلقة وتطاع طاعة مطلقة ، فالتكوين نفسه لا يستعمل الرحمة استعمالا مطلقا ، ولو كان ذلك لم يوجد في دار الوجود أثر من الالام والاسقام والمصائب وأنواع العذاب .