قوله تعالى:"ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا"وقال تعالى فيما بعد:"ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا"فاتفقت الآيتان على وصية المؤمنين وحضهم على مكارم الأخلاق والعفو ممن تقدمت منه إساءة أكسبت بغضه فكأن قد قيل لهم: لا يحملنكم ما وقر فِي صدوركم من بغضكم إياهم على متقدم إساءتهم بصدهم إياكم عن المسجد الحرام عام الحديبية ومنعكم عن الاعتمار لا يحملنكم ذلك على الانتقام منهم والانتصار لأنفسكم والعفو أقرب للتقوى وقد ملكتم فاسجحو ، خوطب المؤمنون بهذا بعد فتح مكة وقهر مفار العرب وإعلاء كلمة الله فندبوا إلى العفو عما تقدم ولا يحاسب من انقاد واستجاب فِي دين الله بما كان تقدم من عدوانهم وان وقر فِي النفوس من بغضهم على إساءتهم ما وقر فاستوت الآيتان بأمر المؤمنين بمكارم الأخلاق ثم اختلف تعليق ما حذروا منه أن يحملهم عليه لحظ ما بقى فِي نفوسهم فقيل فِي الآية الأولى:"أن تعتدوا"وفى الثانية:"على ألا تعدلوا"والاعتداء أشد وأعظم من عدم العدل فللسائل أن يسأل عن وجه ما ورد فِي كل من الموضعين ومناسبته لما تقدمه.