فانظر رحمك الله إلى آثار الوفاء كيف تحمي من المعاطب، وتنجي من قبضة التلف بعد إمضاء القواضب، ويفضي بصاحبه إلى ارتقاء غوارب المراتب، فهذا الغلام لما وفى لمولاه بعهده، وهو بشر مثله، وليس في الحقيقة بعبده، واطلع الله عز وجل على صدق نيته وقصده دفع عنه هذه القتلة الشنيعة بلطف من عنده، فإذا كان العبد مع خالقه ورازقه وافيا في طاعته بعقده كيف لا يفيض عليه من ألطاف مواهب بره ورفده ويفتح له من أنواع رحمته وأقسام نعمته ما لا ممسك له من بعده، وقالوا: ليس شيء أوفى من القمرية إذا مات ذكرها لم تقرب آخر بعده ولا تزال تنوح عليه إلى أن تموت. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
الباب الثامن والثلاثون في كتمان السر وتحصينه وذم إفشائه
قال الله تعالى حكاية عن يعقوب صلوات الله وسلامه عليه: {يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ} الآية، فلما أفشى يوسف عليه السلام رؤياه بمشهد امرأة يعقوب أخبرت إخوته، فحل به ما حل.
ومن شواهد الكتاب العزيز في السر قوله تعالى {فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى 10}
وقوله تعالى: {وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ 24} أي بمتهم.
وفي الحديث: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود» .