وإياك من الظن لحظة تركب المهر أنك الخيال الفارس الذي روّض المهر ، لا ، إنه تسخير الحق للفرس . ونجد الفرس في بعض الأحايين يجمح ليقع الفارس من فوق ظهره ، لعلنا ننتبه إلى الجزئية التي لا يصح أن تغيب عنا ، فلو لم يذلل الله الخيل لنا لما استطعنا أن نركبها . {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} [يس: 71 - 72]
وعلى المؤمن أن يتذكر أيضاً أن الحق سبحانه ذلل الجمل لصاحبه ، وجعل الطفل الصغير يأمر الجمل فيرقد على الأرض ؛ ليضع عليه الأحمال الثقيلة ، ويأمره فيقوم .
أما إن واجه الثعبان أو الحية فهو لا يجرؤ على تذليلهما ، وهذا لفت من الحق للخلق لقدرته المطلقة ؛ فقد ذلل لهم الكبير ، وأفزعهم أضعاف ذلك من الثعبان ذي الجسم الصغير . {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} [يس: 72]
ومن التذليل يأتي رضوخ بقية الكائنات للإنسان ؛ فالحمار عند الفلاح يحمل السماد للأرض من بقايا فضلات الإنسان والحيوان ، ولا ينطق الحمار معترضاً ، ويأتي الفلاح ليرتقي في حياته ويصير شيخاً للخفر ، فيأمر أن يستحم الحمار ، ويشتري له السرج ليركبه وهو ذاهب للقاء المأمور في المركز ، ولم يعص الحمار في الحالتين . إنه التذليل .
إياك أن تظن أن مهارتك وحدها أيها الإنسان هي التي ذللت لك الكائنات ، فلو اعتمد الأمر على المهارة وحدها ، لذلل الإنسان البرغوث الصغير الذي يهاجمه في أي وقت ، وقد يفزعك ذلك البرغوث الصغير طوال الليل . وقد تسهر أسرة بأكملها من أجل قتل برغوث واحد . {ضَعُفَ الطالب والمطلوب} [الحج: 73]