أقول هذا لأني أجد مثل هذه القراءة المرفوضة، أي: على النصب في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [البقرة/ 62] .
وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ [الحج/ 17] .
أترى الزمخشري وغيره من المفسرين والنحاة، كانوا قد اتبعوا الأسلوب الذي سلكوه في توجيه «الصابئون» ، أي الآية التي هي موضع درسنا. ولو أن قراءة شاذة قد وردت في هاتين الآيتين من سورتي البقرة والحج، فجاءت كلمة «الصابئين» ،
مرفوعة على شذوذ القراءة، لكان لهم أن يتبعوا الأسلوب الذي أتينا على ذكره بما فيه من الحذلقة والتزيّد.
كلمة أخيرة:
الذي أراه في توجيه «الصابئون» أن القراءة صحيحة، ولكن أقول: إن نحو العربية في باب الجمع المذكور بالواو والنون والياء والنون، في عصر القرآن، لم يكن قد استقر فتخلص من اللغات الخاصة، وهذا يعني أن الواو والنون كانتا سمة وعلامة للجمع كيفما كان موضع الكلمة من الإعراب، فالواو والنون علامة الجمع، كما أن الياء والنون علامة أخرى، وأما اختصاص كل منهما بحالة إعراب خاصة فقد استفادته العربية شيئا فشيئا حتى استقر على هذا النحو الذي نعرفه في النحو العام المشهور. ثم ألم يقولوا: إن «اللذون» لغة في «الذين» ، وأن الواو لازمة في هذا الموصول كما في الشاهد المعروف:
نحن اللذون صبّحوا الصّباحا ثم ألم يقرأ الحسن: (تنزّل الشياطون) ؟
11 -وقال تعالى: (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ [الآية 71] .
في هذه الآية مسألة تتصل ب «كثير» لا بد من الوقوف عليها.
قالوا: «كثير» بدل من الضمير، أو على قولهم: أكلوني البراغيث.
أقول:
ما أظن أن القول بأن الآية جرت على لغة «أكلوني البراغيث» قول سديد مقبول، وذلك لأن هذه اللغة قد خصت بها قبيلة واحدة هي بنو الحارث بن كعب، ولكني أقول: إن الفاعل هو «كثير» وهو أقوى في الفاعلية من «الواو» الذي سمّي «ضميرا» وليس الواو إلا إشارة إلى أن الفاعل «جمع» أو دالّ على الجمع وهو «كثير» في الآية. انتهى انتهى {من بديع لغة التنزيل} .