103 [وسكتهم المختار دون تنفّس ... وبعضهم في الأربع الزّهر بسملا]
السكت والسكوت واحد كلاهما مصدر سكت، والضمير في سكتهم يعود على الثلاثة المخير لهم بين الوصل
والسكت: أى السكت المنسوب إليهم المختار فيه أن يكون دون تنفس، فالمختار على هذا يكون مبتدأ ثانيا، ويجوز أن يكون صفة السكت ويجوز أن يكون خبره، كأنه لما خير أوّلا بين الوصل والسكت أردفه بأن السكت هو المختار على ما أشرنا إليه في قوله «واسكتن» وقوله بعد ذلك دون تنفس خبر بعد خبر أو خبر مبتدإ محذوف أو حال من ضمير المختار والإشارة بقولهم «دون تنفسى» إلى عدم الإطالة المؤذنة بالإعراض عن القراءة، وإلا فلأواخر السور حكم الوقف على أواخر الآيات، وفى أثنائها من الوقوف التامة والكافية، فما ساغ ثم من السكوت فهو سائغ هنا وأكثر والله أعلم.
ثم قال: وبعضهم، أى وبعض المشايخ من المقرئين الذين استحبوا التخيير بين الوصل والسكوت، واختاروا في السكوت أن يكون دون تنفس، اختاروا أيضا البسملة لهؤلاء الثلاثة في أوائل أربع سور، هى: القيامة، والمطففين، والبلد، والهمزة دون سائر السور، قالوا لأنهم استقبحوا وصلها بآخر السور قبلها من غير تسمية، وقوله «الزهر» جمع زهراء تأنيث أزهر: أى المضيئة المنيرة، كنى بذلك عن شهرتها ووضوحها بين أهل هذا الشأن فلم يحتج إلى تعيينها.
104 [لهم دون نصّ وهو فيهنّ ساكت ... لحمزة فافهمه وليس مخذّلا]
لهم أى لابن عامر وورش وأبى عمرو «دون نص» أى من غير نص، وقد استعمل رحمه الله لفظ دون بمعنى غير كثيرا كقوله: ومن دون وصل ضمها، (وسلطانيه) من دون هاء، ولفظ غير مؤات له في المواضع كلها. قال صاحب التيسير، وليس في ذلك أثر عنهم» وإنما هو استحباب من الشيوخ، ثم قال «وهو فيهن» أى وذلك البعض يسكت في هذه المواضع الأربعة لحمزة، لأن حمزة مذهبه الوصل فاكتفى له هنا بالسكت، ثم قال «فافهمه» أى افهم هذا المذهب المذكور وليس مخذلا، يقال: خذله إذا ترك عونه ونصرته خذلانا وخذل عنه أصحابه تخذيلا: أى حملهم على خذلانه، فالتقدير وليس مخذلا عنه أصحابه، ويجوز أن يكون اسم ليس عائدا على البعض في قوله «وبعضهم» كأن التقدير. وليس ذلك القائل مخذلا عن نصرة هذا المذهب، بل قد انتصب له من ساعده ونصره وأعانه. وإنى أقول، لا حاجة إلى تكلف التسمية لأجل المعنى المذكور، بل السكوت كاف للجميع، كما يكتفى به لحمزة، وكما يكتفى به بين الآيات الموهم اتصالها أكثر مما في هذه الأربعة أو مثلها مثل:
{ (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ} [1] ) بعد قوله: { (أَنَّهُمْ أَصْحََابُ النََّارِ} [2] ) وقوله: { (لََا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ} [3] )
بعد قوله: { (وَكََانَ فَضْلُ اللََّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [4] ) .
ويمكن حمل قول الشاطبى رحمه الله «وليس مخذلا» على السكوت المفهوم من قوله «وهو فيهن ساكت» أى ليس هذا السكوت مخذلا، بل هو مختار لحمزة وغيره، ولقد أعجبنى قول أبى الحسن الحصرى:
ولم أقر بين السّورتين مبسملا ... لورش سوى ما جا في الأربع الغرّ
وحجّتهم فيهنّ عندى ضعيفة ... ولكن يقرون الرّواية بالنّصر
(1) سورة غافر، آية: 7.
(2) سورة غافر أيضا، آية: 6.
(3) سورة النساء، آية: 114.
(4) النساء أيضا آية: 113.