فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 791

4 [وثلّثت أنّ الحمد لله دائما ... وما ليس مبدوءا به أجذم العلا]

وثلثت مثل ثنيت في أنه فعل يتعدّى بحرف الجر فيجوز في أن بعدها الفتح والكسر، فالفتح على تقدير بأن الحمد، والكسر على معنى فقلت إن الحمد لله «ودائما» بمعنى ثابتا وهو حال من الحمد، أو من اسم الله، أو نعت مصدر محذوف أى حمدا مستمرا وما مبتدأ وهى موصولة، وليس مبدوءا به صلتها واسم ليس ضمير مستتر يعود على ما، ومبدوءا خبرها، والهاء في به عائدة على الحمد أو على اسم الله تعالى على تقدير بذكره أو باسمه وبه منصوب المحل بمبدوء أو مرفوع مبدوء ضمير عائد على ما: أى وكل كلام ليس ذلك الكلام مبدوءا بالحمد «أجذم العلا» أى مقطوع الأعلى أى ناقص الفضل، فأجذم خبر المبتدإ الذى هو ما، والجزم أصله القطع والعلاء بفتح العين يلزمه المدّ وهو الرفعة والشرف، وأتى به في قافية البيت على لفظ المقصور، وليس هو من باب قصر الممدود الذى لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، بل يمكن حمله على وجه آخر سائغ في كل كلام نثرا كان أو نظما، وذلك أنه لما وقف أسكن الهمزة ثم إنه قلبها ألفا، فاجتمع ألفان فحذف أحدهما، كما يأتى في باب وقف حمزة وهشام على نحو السماء والدعاء، وهكذا نقول في كل ما ورد في هذه القصيدة من هذا الباب في قوافيها كقوله «فتى العلا، أحاط به الولا، فتنجو من البلا» وإن افتحوا الجلا بعد على الولا عن جلا أماما يأتى في حشو الأبيات كقوله «وحق لوى باعد وما لى سما لوى ويا خمس أجرى» فلا وجه لذلك إلا أنه من باب قصر الممدود ثم يجوز في موضع العلا أن يكون مرفوعا ومنصوبا ومجرورا لأن أجذم العلا من باب حسن الوجه فهو كما في بيت النابغة:

أجبّ الظهر ليس له سنام [1]

يروى الظهر بالحركات الثلاث، وأشار بما في عجز هذا البيت إلى حديث خرّجه أبو داود في سننه عن أبى هريرة قال قال: رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

«كلّ كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» .

قال الخطابى: معناه المنقطع الأبتر الذى لا نظام له. قلت: وروى هذا الحديث مرسلا، وروى «أقطع» موضع أجذم وروى:

(لم يبدأ فيه بذكر الله) .

فتكون البسملة على هذا إذا اقتصر عليها مخرجة من عهدة العمل بهذا الحديث، ولو أن الناظم رحمه الله قال وثنيت أن الحمد، وثلثت صلى الله لكان أولى تقديما لذكر الله تعالى على ذكر رسوله صلّى الله عليه وسلم.

ووجه ما ذكر أنه أراد أن يختم خطبته بالحمدلة، فإن ذكر الله تعالى قد سبق بالبسملة فهو كقوله سبحانه في آخر سورة والصافات:

{ (وَالْحَمْدُ لِلََّهِ رَبِّ الْعََالَمِينَ} [2] ) والله أعلم.

5 [وبعد فحبل الله فينا كتابه ... فجاهد به حبل العدا متحبّلا]

أى وبعد هذه الخطبة أذكر بعض ما جاء في فضائل القرآن العزيز وفضل قرّائه «وحبل الله مبتدأ، وفينا» متعلق به من حيث المعنى على ما نفسر به الحبل، أو يكون صلة لموصول محذوف أى الذى فينا، وكتابه خبر فحبل.

ويجوز أن يكون فينا هو الخبر وكتابه خبر مبتدإ محذوف أى هو كتابه والفاء فى: فحبل رابطة للكلام بما قبله ومانعة من توهم إضافة بعد إلى حبل، والعرب تستعير لفظ الحبل في العهد والوصلة والمودّة وانقطاعه في نقيض ذلك فلذلك استعير للقرآن العزيز، لأنه وصلة بين الله تعالى وبين خلقه، من تمسك به وصل إلى دار كرامته.

وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره في تفسير قوله عز وجل:

{ (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللََّهِ جَمِيعًا) } [3] .

أنه القرآن. وفى كتاب الترمذى من حديث الحارث الأعور عن على رضي الله عنه في حديث طويل في وصف القرآن قال:

«هو حبل الله المتين» .

وفى كتاب أبى بكر بن أبى شيبة في ثواب القرآن عن أبى سعيد الخدرى أن النبى صلّى الله عليه وسلم قال:

«كتاب الله حبل ممدود من السّماء إلى الأرض» .

(1) وقبله قوله: ونمسك بعده بذناب عبس

(2) سورة الصافات، آخر آية.

(3) سورة آل عمران آية: 103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت