وقوله محضا: أى ليس فيه للتحريك شائبة ما، لأن الروم بخلاف ذلك، وهو منصوب على أنه مفعول ثان لقوله اعتد، لأنه بمعنى حسب وظن، واعتقد، ونحو ذلك ومفتوحا: ثانى مفعولى ألحق، على حذف حرف الجر، والمفعول الأول محذوف، أى ألحق مضموم هذا البيت ومكسوره بالمفتوح الذى أجمعوا على ترك رومه، والإيغال السير السريع والإمعان فيه.
254 [وفى الهمز أنحاء وعند نحاته ... يضيء سناه كلّما اسودّ أليلا]
أى وروى في تخفيف الهمز وجوه كثيرة وطرائق متعددة، اشتمل عليها كتب القراءات الكبار، والانحاء المقاصد والطرائق، واحدها نحو، وهو القصد والطريقة، وقد ذكر الناظم رحمه الله تعالى من تلك الطرائق أشهرها وأقواها لغة ونقلا، وذكر شيئا من الأوجه الضعيفة، ونبه على كثرة ذلك في كتب غيره، والهاء في نحاته وسناه للهمز، أى يضيء ضوءه عند النحاة لمعرفتهم به وقيامهم بشرحه، كلما أسود عند غيرهم، لأن الشيء الذى يجهل كالمظلم عند جاهله، والنحويون هم المتصدون لكشف ما أشكل من هذا ونحوه مما يتعلق باللسان العربى.
هذا إن كان كلما مفعولا ليضيء، وتكون «ما» نكرة موصوفة أى كل شيء أسود ويجوز أن يكون ظرفا لازما، لأن «ما» يجوز أن تكون ظرفية، ولفظ «كل» إذا أضيف إلى الظرف صار ظرفا كقوله تعالى:
{ (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [1] ) .
فمعناه على هذا كلما أسود الهمز عند غير النحاة أضاء عندهم سناه، أى كثر ضوؤه، فيكون يضيء بلا مفعول، لأن أضاء يستعمل لازما ومتعديا.
قال الله تعالى:
{ (كُلَّمََا أَضََاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} [2] ) .
وقال { «فَلَمََّا أَضََاءَتْ مََا حَوْلَهُ» } فعبر الناظم بالإضاءة عن وضوحه عند العلماء به، وبالسواد عن إشكاله عند الجاهلين له «وأليلا» حال أى مشبها ليلا أليل في شدة سواده، يقال ليل أليل ولائل، أى شديد الظلمة كقولهم شعر شاعر للتأكيد والمبالغة، والله تعالى أعلم.
هذه عبارة مكى وغيره في هذا الباب، وزاد صاحب التيسير للحروف السواكن، وهذه زيادة حسنة فيها تمييز هذا الباب من الإدغام الكبير، فإنه إدغام للحروف المتحركة، ومن المصنفين من يسمى هذا: الإدغام الصغير لذلك، ولأنه يختص ببعض الحروف، بخلاف الكبير.
وضابط هذا الباب أنه إدغام حرف ساكن في مقاربه المتحرك، وهو ينقسم ثلاثة أقسام:
الأول: إدغام حرف من كلمة عند حروف متعددة من كلمات، وذلك حيث وقع، وهو المذكور في فصول: إذ، وقد تاء التأنيث، وبل، وهل.
(1) سورة الرحمن، آية: 29.
(2) سورة البقرة، آية: 20.