قلت: وفى الإسكان مغايرة بين اللفظين في الموضعين وخفف العلم بالإسكان لثقل المسمى على الجنان والاسم على اللسان، وحمالة الحطب بالرفع صفة وامرأته، وفى جيدها الخبر، أوهما خبران لها إن كانت مبتدأ وإن كانت عطفا على ضمير سيصلى تعين حمالة الحطب للصفة وكان في جيدها في موضع الحال أو خبرا ومبتدأ جملة مستأنفة ونصب حمالة الحطب على الذم والشتم قال الزمخشرى وأنا استحب هذه القراءة، وقد توسل إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بجميل من أحب شتم أم جميل قلت: حمالة الحطب اسمها أم جميل عليها وعلى أبى لهب لعنة الله.
إنما أخر ذكر هذا الباب لأن حكمه متعلق بالسور الأخيرة، ومن المصنفين من لم يذكره أصلا كابن مجاهد وقدم النظم قبل بيان حكمه عند القراء أبياتا في فضل الذكر مطلقا من تكبير وغيره فقال:
1121[روى القلب ذكر الله فاستسق مقبلا
ولا تعد روض الذّاكرين فتمحلا
هذا البيت مقفى مثل أول القصيدة وأول سورة الرعد والأنبياء وغيرها وهو حسن كما نبهنا عليه في شرح الذى في أول الرعد، وروى القلب ريه يقال روى من الماء يروى على وزن رضى يرضى ويقال في مصدره أيضا ريا وريا بفتح الراء وكسرها نص عليه الجوهرى ولما جعل ذكر الله تعالى ريا للقلب أمر بالازدياد من الرى فاتبع ذلك اللفظ المجاز ما يناسبه فقال فاستسق أى اطلب السقى مقبلا على ذلك أى أكثر من الذكر والتمس محله ومواضعه ولا تعد أى ولا تتجاوز رياضه والروض جمع روضة فتمحلا أى فتصادف محلا فلا يحصل رى ولا شرب وأشار بذلك وما يأتى بعده إلى أحاديث كثيرة جاءت عن النبى صلّى الله عليه وسلم في فضل ذكر الله تعالى والحث عليه، وهى مفرقة في الصحيحين وغيرهما.
وقد جمع جعفر الفرياني الحافظ فيه مصنفا حسنا، وما أحسن ما قال بلال بن سعيد وهو من تابعى أهل الشام:
«الذكر ذكران: ذكر الله باللسان حسن جميل، وذكر الله عند ما أحلّ وحرّم أفضل، وكيف لا يكون ذكر الله تعالى روى للقلب، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: رسول الله صلّى الله عليه وسلم:
يقول الله تعالى «أنا عند ظن عبدى بى وأنا معه حين يذكرنى، فإن ذكرنى في نسفه ذكرته في نفسى، وإن ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» أخرجه البخارى ومسلم في صحيحيهما:
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبى صلّى الله عليه وسلم أنه كان يقول:
«إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلوب ذكر الله تعالى» أخرجه الحافظ البيهقى في كتاب الدعوات.
وأما تعبيره عن مجالس الذكر بالروض فلما جاء في حديث جابر بن عبد الله قال خرج علينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقال:
«يا أيها الناس إن لله تعالى سرايا من الملائكة تقف وتحل على مجالس الذكر فارتعوا في رياض الجنة، قلنا أين رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: مجالس الذكر، فاغدوا وروحوا في ذكر الله، واذكروه بأنفسكم من كان يحب أن يعلم كيف منزلته من الله عز وجل فلينظر منزلة الله عنده، فإن الله تبارك وتعالى ينزل العبد حيث أنزله من نفسه» أخرجه البيهقى في كتاب الدعوات وشعب الإيمان».
وأخرجه الفرياني وأخرج أيضا في معناه أحاديث كثيرة منها عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال.
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «من أحبّ أن يرتع في رياض الجنة فليكثر من ذكر الله عز وجل» .
1122 [وآثر عن الآثار مثراة عذبه
وما مثله للعبد حصنا وموئلا]
آثر من الإيثار أى قدم مثراة عذب الذكر على كل شىء والمثراة من قولهم هذا مثراة للمال أى مكثرة له أى قدم مكتسب عذبه ومكثرته ولمثراة أيضا مصدر ثرى المكان يثرى ثرى ومثراة إذا كثر نداه فبلله أى قدم ندى عذبه على كل شيء وذلك مما يستعار للوصلة والذكر وصلة بين العبد وبين ربه عز وجل ومنه قوله عليه الصلاة والسلام «بلوا أرحامكم ولو بالسلام» أى صلوها، وتقول العرب بينى وبين فلان مثرى أى وصلة لم تنقطع، وهو مثل كأنه قال لم ييبس ما بينى وبينه ومنه قول جرير: