وما يسكت عليه في مذهب خلف كآخر والضحى، فكل ذلك لا يحكمه ويتقنه إلا من عرف كيف يصله، وسكوت خلف لا يخرجه عن كونه وصلا، فإنه لا يفعل ذلك إلا في الوصل كما سيأتى شرحه في قوله: روى خلف في الوصل.
وقد نقل أبو على الأهوازى عن حمزة أنه قال. إنما فعلت ذلك ليعرف القارئ كيف إعراب أواخر السور أى ووصلك بين السورتين بعد إسقاط البسملة يستلزم فصاحة، ثم بين قراءة غير حمزة ممن لم يبسمل فقال: وصل واسكتن» وهذا على التخيير، وإلا فالجمع بينهما محال إلا في حالتين: أى صل إن شئت كما سبق لحمزة، واسكت، على آخر السورة إن شئت، وبهذا التقدير دخل الكلام معنى التخيير، وإلا فالواو ليست بموضوعة له، وقد قيل إنها قد تأتى للتخيير مجازا، والنون في واسكتن للتوكيد، ولعله قصد بذلك أن السكوت لهم أرجح من الوصل. وقال صاحب التيسير على اختيار ذلك لهم، وقال الشيخ رحمه الله عليه أكثر أهل الأداء، لما فيه من الفصل، وقد روى السكت أيضا عن حمزة «وجلاياه» جمع جلية وهو مفعول حصل، والهاء في جلاياه تعود على التخيير: أى كل من أهل الأداء استوضح التخيير ورآه صوابا، أو تعود على كل: أى كل من القراء حصل جلايا ما ذهب إليه وصوبه، والله أعلم.
102 [ولا نصّ كلّا حبّ وجه ذكرته ... وفيها خلاف جيده واضح الطّلا]
أى لم يرد بذلك نص عن هؤلاء بوصل ولا سكوت، وإنما التخيير بينهما لهم اختيار من المشايخ واستحباب منهم، وهذا معنى قوله «حب وجه ذكرته» وكلا حرف ردع وزجر، كأنه منع من اعتقاد النصوصية عن أحد منهم على ذلك، ثم قال «وفيها» أى في البسملة خلاف عنهم، جيد ذلك الخلاف واضح الطلا: أى أنه مشهور معروف عند العلماء والجيد: العنق، والطلا جمع طلاة أو طلية والطلية: صفحة العنق وله طليتان، فجاء بالجمع في موضع التثنية لعدم الإلباس كقولهم: عريض الحواجب، وطويل الشوارب، وقيل الطلا الأعناق أنفسها فكأنه قال: عنق هذا الخلاف واضح الأعناق: أى هو الواضح من بينها، وإنما تتضح الأعناق إذا كانت مرتفعة، وارتفاع الأعناق والرءوس يكنى به عن ارتفاع المنزلة وعلو المرتبة، ومنه الحديث الصحيح.
«المؤذّنون أطول النّاس أعناقا يوم القيامة» .
فحاصل ما في هذا البيت أن الخلاف في البسملة مروى عن ابن عامر وورش وأبى عمرو، بل أكثر المصنفين لم يذكروا عن ابن عامر إلا البسملة، وقد ذكرنا عبارة المصنفين عنهم في ذلك في الشرح الكبير، فإذا قلنا لا يبسملون فهل يصلون كحمزة أو يسكتون؟ لم يأت عنهم في ذلك نص، وذكر الشيوخ الوجهين لهم استحبابا، وقد بسطنا الكلام في ذلك بسطا شافيا، ولم نجعل في هذا البيت رمزا لأحد كما ذكر غيرنا، فإنا إذا قلنا إن كلا حب رمز ابن عامر وأبى عمرو لزم من مفهوم ذلك أن يكون ورش عنه نص في التخيير وليس كذلك، بل لم يرد عنه نص في ذلك. وإن قلنا إن جيده، رمز ورش لزم أن يكون ابن عامر وأبو عمرو لم يرد عنهما خلاف في البسملة وهو خلاف المنقول، فلهذا قلنا لا رمز في البيت أصلا، والله أعلم.
103 [وسكتهم المختار دون تنفّس ... وبعضهم في الأربع الزّهر بسملا]
السكت والسكوت واحد كلاهما مصدر سكت، والضمير في سكتهم يعود على الثلاثة المخير لهم بين الوصل
والسكت: أى السكت المنسوب إليهم المختار فيه أن يكون دون تنفس، فالمختار على هذا يكون مبتدأ ثانيا، ويجوز أن يكون صفة السكت ويجوز أن يكون خبره، كأنه لما خير أوّلا بين الوصل والسكت أردفه بأن السكت هو المختار على ما أشرنا إليه في قوله «واسكتن» وقوله بعد ذلك دون تنفس خبر بعد خبر أو خبر مبتدإ محذوف أو حال من ضمير المختار والإشارة بقولهم «دون تنفسى» إلى عدم الإطالة المؤذنة بالإعراض عن القراءة، وإلا فلأواخر السور حكم الوقف على أواخر الآيات، وفى أثنائها من الوقوف التامة والكافية، فما ساغ ثم من السكوت فهو سائغ هنا وأكثر والله أعلم.