فهرس الكتاب

الصفحة 766 من 791

ثم على تقدير صحته فقد اختلف في تفسيره فقيل المراد به ما ذكره الفراء على ما يأتى بيانه، وقيل بل هو إشارة إلى تتابع العزو وترك الإعراض عنه، فلا يزال في حل وارتحال وهذا ظاهر اللفظ إذ هو حقيقة في ذلك وعلى ما أوّله به الفراء يكون مجازا وقد رووا التفسير فيه مدرجا في الحديث ولعله من بعض رواته.

قال أبو محمد بن قتيبة في آخر غريب الحديث، له في ترجمة أحاديث لا تعرف أصحابها: جاء في الحديث «أى الأعمال أفضل؟ قال: الحال المرتحل؟ قيل ما الحال المرتحل: قال الخاتم والمفتتح» قال ابن قتيبة: الحال هو الخاتم للقرآن، شبه برجل سافر فسار حتى إذا بلغ المنزل حل به، كذلك تالى القرآن يتلوه حتى إذا بلغ آخره وقف عنده، والمرتحل المفتتح للقرآن شبه برجل أراد سفرا فافتتحه بالمسير، قال:

وقد يكون الخاتم المفتتح أيضا في الجهاد، وهو أن يغزو ويعقب، وكذلك الحال المرتحل يريد أنه يصل ذلك بهذا.

قلت: هذا هو الظاهر من تفسير هذا اللفظ لوجهين:

أحدهما حمل اللفظ على حقيقته، فيكون التفسير الأول الذى ذكره ابن قتيبة في الحديث من كلام بعض الرواة، وهو مفصول من الحديث، ولهذا لم يكن في كتاب الترمذى إلا قوله الحال المرتحل من غير تفسير، وكان السائل عن التفسير بعض الرواة لبعض، فأجابه المسئول بما وقع له وتقدير الحديث عمل الحال المرتحل، وحذف المضاف لدلالة السؤال عليه.

الوجه الثانى أن المحفوظ في الأحاديث الصحيحة غير ذلك، فإنه سئل النبى صلّى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال فقال: «إيمان بالله، ثم جهاد في سبيله، ثم حج مبرور» .

وفى حديث آخر «الصلاة لوقتها، ثم برّ الولدين، ثم الجهاد في سبيل الله» .

وقال لأبى أمامة: «عليك بالصوم فإنه لا مثل له» وفى حديث آخر: «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» .

وإذا فسر الحال المرتحل بمتابعة الغزو وافق قوله ثم جهاد في سبيله، أى أنه من أفضل الأعمال كنظائر لذلك يعبر عن الشيء لأنه الأفضل، أى هو من جملة الأفضل، أى المجموع في الطبقة العليا التى لا طبقة أعلى منها، وهذا المعنى قد قررناه في مواضع من كتبنا.

1126[وفيه عن المكين تكبيرهم مع ال

خواتم قرب الختم يروى مسلسلا]

أى وفى القرآن أو في ذلك العمل الذى عبر عنه بالحل والارتحال، وهو وصل آخر كل ختمة بأوّل أخرى على ما سيأتى بيانه في عرف القراء، وقوله «عن المكين» جمع مك كما قال في مواضع كثيرة ومك ومراد مكى بياء النسب، ولكنه حذفها ضرورة عند العلم بها تخفيفا، وقد قرأ في الشواذ هو الذى بعث في الأمين كأنه جمع أم، قال الزمخشرى في تفسيره: وقرئ في الأمين بحذف ياء النسب قلت ومثل قول عقبة الأسدي:

وأنت امرؤ في الأشعرين مقاتل

وقول لقيط الإيادى:

زيد الفنا حين لا في الحارثين معا

كأنهما جمع أشعر وحارث، وإنما هما جمع أشعرى وحارثى.

وقد ذكرت هذين البيتين في ترجمة عامر بن أبى بردة عن أبى موسى الأشعرى وترجمة المهلب بن أبى صفرة في مختصرى لتاريخ دمشق، وقوله: تكبيرهم أى تكبير المكيين أى وفى القرآن تكبير المكيين مع الخواتم

جمع خاتمة، يعنى خواتم السور إذا قرب ختم القرآن في قراءة القارئ، على ما سيبين في موضعه، قال مكى في التبصرة: والتكبير سنة كانت بمكة ولا يعتبر في التكبير قراءة مكة ابن كثير ولا غيره، كانوا لا يتركون التكبير في كل القراءات من خاتمه والضحى قال: ولكن عادة القراء الأخذ بالتكبير لابن كثير في رواية البزى خاصة ومن المصنفين من حكى التكبير لجميع القراء في جميع سورة القرآن، ذكره أبو القاسم الهذلى في كتابه «الكامل» وذكره أيضا الحافظ أبو العلاء، وقوله يروى مسلسلا أى يروى التكبير رواية مسلسلة على ما هو المسلسل في اصطلاح المحدثين: أنبأنا القاضى أبو القاسم الأنصارى أنبأنا عبد الله الفراوى أنبأنا أبو بكر البيهقى سماعا وإجازة أنبأنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ الإمام بمكة في المسجد الحرام أنبأنا أبو عبد الله محمد بن على بن زيد الصائغ أنبأنا أحمد بن محمد بن القاسم عن أبى بزة قال: سمعت عكرمة بن سليمان يقول: قرأت على إسماعيل بن عبد الله بن قسطنطين فلما بلغت والضحى قال لى: كبر عند خاتمة كل سورة، وإنى قرأت على عبد الله بن كثير فلما بلغت والضحى قال: كبر حتى تختم، وأخبره عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد وأمره بذلك، وأخبره مجاهد أن ابن عباس أمره بذلك، وأخبره ابن عباس أن أبىّ بن كعب أمره بذلك، وأخبره أبىّ بن كعب أن النبى صلّى الله عليه وسلم أمره بذلك، قال الحاكم في كتابه «المستدرك على الصحيحين» هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت