فهرس الكتاب

الصفحة 765 من 791

قلت: فبان من مجموع هذه الروايات أن الاشتغال بالذكر يقوم مقام الدعاء وأن قراءة القرآن من جملة الاشتغال بالذكر، بل هو أفضل وإليه أشار الناظم بقوله خير أجر الذاكرين ومكملا حال إما من خير وإما من أجر، وقد نص الإمام الشافعى رضي الله عنه على ذلك فقال أستحب أن يقرأ القرآن يعنى في الطواف لأنه موضع ذكر، والقرآن من أعظم الذكر والهاء في قوله عنه يجوز أن تعود على الذكر يعنى ومع ما ذكرنا من

فضيلة الذكر فمن اشتغل عنه بالقرآن فهو أفضل ويجوز أن تعود على من، أى من كف لسانه عنه أى أذاه لأن أكثر كلام الإنسان عليه لا له فإذا اشتغل بالقرآن أو الذكر الكف عما يتوقع منه الضرر فصح معنى عنه بهذا التفسير.

وفى الحديث عن أم حبيبة زوج النبى صلّى الله عليه وسلم قالت قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم:

«كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر وذكر الله» وفى الكتاب المذكور للحافظ أبى العلا عن أبى هريرة مرفوعا «أعبد الناس أكثرهم تلاوة للقرآن» وفيه عن أنس مرفوعا «أفضل العبادة قراءة القرآن وتلاوة القرآن أحب إلىّ» قال أبو يحيى الحمامى سألت سفيان الثورى عن الرجل يقرأ القرآن أحب إليك أم يغزو قال يقرأ القرآن فإن النبى صلّى الله عليه وسلم قال:

«خيركم من تعلم القرآن وعلمه» قلت هذا حديث صحيح أخرجه البخارى وقد جمع الحافظ أبو العلا طرقه في أول كتاب الوقف المذكور قال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبى يقول: رأيت رب العزة في المنام فقلت يا رب ما أفضل ما يتقرب به المتقربون إليك؟ فقال كلامى يا أحمد فقلت يا رب بفهم أو بغير فهم فقال بفهم وبغير فهم.

قلت فكل هذا مما يوضح لنا أن تلاوة القرآن من أعظم الذكر كما قال الشافعى رضي الله عنه لأنه يجمع الذكر باللسان وملاحظة القلب أنه يتلوا كلام الله عز وجل ويؤجر عليه بكل حرف عشر حسنات على ما ثبت في أحاديث أخر.

1125[وما أفضل الأعمال إلّا افتتاحه

مع الختم حلّا وارتحالا موصّلا]

أى افتتاح القرآن مع ختمه أى حالة ختمه للقرآن يشرع في أوله فقوله موصلا حال من الضمير في افتتاحه العائد على القرآن أى في حال وصل أوله بآخره وقوله حلا وارتحالا من باب المصدر المؤكد لنفسه لأن الحل والارتحال المراد بهما افتتاحه مع الختم فهو نحو له على ألف درهم عرفا وأشار بذلك إلى حديث روى من وجوه عن صالح عن قتادة عن زرارة بن أبى أوفى عن ابن عباس قال: «قال رجل يا رسول الله أى الأعمال أحب إلى الله عز وجل قال الحالّ المرتحل» أخرجه أبو عيسى الترمذى في أبواب القراءة في أواخر كتابه، فقال: حدثنا نصر بن على الجهضمى قال حدثنا الهيثم بن الربيع حدثنى صالح المرى فذكره، ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه عن ابن عباس إلا من هذا الوجه: حدثنا محمد بن بشار حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا صالح المرى عن قتادة عن زرارة بن أبى أوفى عن النبى صلّى الله عليه وسلم ولم يذكر فيه عن ابن عباس قال: وهذا عندى أصح، يعنى أنه من حديث زرارة، وليس له صحة إلّا من حديث ابن عباس وكيف ما كان الأمر فمدار الحديث على صالح المرى، وهو وإن كان عبدا صالحا فهو ضعيف عند أهل الحديث، قال البخارى في تاريخه: هو منكر الحديث، وقال النسائى: صالح المرى متروك الحديث.

ثم على تقدير صحته فقد اختلف في تفسيره فقيل المراد به ما ذكره الفراء على ما يأتى بيانه، وقيل بل هو إشارة إلى تتابع العزو وترك الإعراض عنه، فلا يزال في حل وارتحال وهذا ظاهر اللفظ إذ هو حقيقة في ذلك وعلى ما أوّله به الفراء يكون مجازا وقد رووا التفسير فيه مدرجا في الحديث ولعله من بعض رواته.

قال أبو محمد بن قتيبة في آخر غريب الحديث، له في ترجمة أحاديث لا تعرف أصحابها: جاء في الحديث «أى الأعمال أفضل؟ قال: الحال المرتحل؟ قيل ما الحال المرتحل: قال الخاتم والمفتتح» قال ابن قتيبة: الحال هو الخاتم للقرآن، شبه برجل سافر فسار حتى إذا بلغ المنزل حل به، كذلك تالى القرآن يتلوه حتى إذا بلغ آخره وقف عنده، والمرتحل المفتتح للقرآن شبه برجل أراد سفرا فافتتحه بالمسير، قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت