قال: ومعنى لبدا يركب بعضهم بعضا وكل شيء لصقته لشيء إلصاقا شديدا فقد لبدته، ومن هذا اشتقاق هذه اللبود التى تفرش، ثم ذكر أن كسر اللام وضمها في معنى واحد وكذا قال الزمخشرى وقال: هو ما يلبد بعضه على بعض، ومنه لبدة الأسد، وحكى أبو على عن أبى عبيد لبدا بالكسر أى جماعات واحدها لبدة، قال قتادة: تلبد الجن والإنس على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه، قال واللبد بالضم الكثير، من قوله: أهلكت مالا لبدا وكأنه قيل له لبد لركوب بعضه على بعض ولصوق بعضه ببعض، لكثرته، فكأنه أراد كادوا يلصقون به من شدة دنوهم للاستماع مع كثرتهم، فيكون على هذا
قريب المعنى من قوله لبدا، إلا أن لبدا أعرف بهذا المعنى وأكثر ثم قال: «ويا ربى» أى وياء ربى فقصره ضرورة، أى هذه ياء الإضافة في سورة الجن يريد {رَبِّي أَمَدًا} فتحها الحرميان وأبو عمرو.
1088[ووطئا وطاء فاكسروه (ك) ما (ح) كوا
وربّ بخفض الرّفع (صحبت) هـ (ك) لا]
لم تكن له حاجة إلى قوله فاكسروه فإنه قد لفظ بالقراءتين، فهو مثل خشعا خاشعا، وقل قال، وما أشبه ذلك، فالرمز فيه للفظ الثانى، ولكنه قال: فاكسروه زيادة في البيان مثل ما ذكرناه في قوله تمارونه تمرونه، وافتحوا، ولو قال هنا: واكسروه بالواو كان أولى من الفاء، كما قال ثم: وافتحوا:
وسببه أن الفاء تشعر بأن هذه مواضع الخلاف وليس ذلك كله، بل هو جزء منه فإن لفظ وطاء يشتمل على كسر الواو وفتح الطاء والمد بعدها، وإذا قاله بالواو بعد الإشعار بذلك وصار من باب التخصيص بعد التعميم للاهتمام بالمخصص نحو: وجبرئيل وميكائيل ونخل ورمان.
بيانه أن لفظ وطاء يغنى عن قيوده، لأنه كالمصرح بالقيود الثلاثة، فإذا نص بعد ذلك على قيد منها كان من ذلك الباب، ولو قال موضع فاكسروه فاقرءوه لكان رمزا لحمزة، فعدل إلى لفظ يفهم قيدا من قيود القراءة، وكان له أن يقول: ووطأ كضرب قل وطاء كما حكوا كقوله إذا قل إذ، ويحصل له تقييد القراءة الأولى ومعنى القراءة بالكسر والمد، أن عمل ناشئة الليل أشد مواطأة، أى موافقة، لأنه يواطأ فيها السمع القلب للفراغ من الأشغال، بخلاف أوقات النهار، وقوله وطأ بفتح الواو وسكون الطاء والقصر بمعنى الشغل أى هو:
أشق على الإنسان من القيام بالنهار، وفى الحديث.
«للهم اشدد وطأتك على مضر» .
وهو أقوم قيلا أى أشد استقامة وصوابا لفراغ البال، والمعنى: أشد ثبات قدم في العبادة من قولهم وطأ على الأرض وطاء، والناشئة القيام بعد النوم، فهو مصدر بمعنى النشأة، وقيل هى الجماعة الناشئة، أى القائمون بالليل، لأنها تنشأ من مضجعها إلى العبادة أى تنهض وترتفع، وقيل هى ساعات الليل، والكلام في خفض رب المشرق ورفعه كما سبق في سورة الدخان، الخفض على البدل من ربك في قوله واذكر اسم ربك والرفع على أنه خبر، أى هو رب المشرق، وكلا بمعنى حفظ وحرس وأفرده على لفظ صحبة وسبق مثله:
1089[وثل؟؟؟ ثلثه فانصب وفا نصفه (ظ) بى
وثلثى سكون الضّمّ (ل) لاح وجمّلا]
يجوز وثا ثلثه باسكان اللام وصلة الهاء ويجوز ثلثه بضم اللام وسكون الهاء وكلاهما لضرورة الوزن وفى كل وجه منها إخلال بلفظ الكلمة في القرآن من جهة إسكان اللام في الأول وإسكان الهاء في الثانى. إلا أن الوجه الثانى أقرب. فإنه لفظ الوقف على هذه الكلمة فهو واصل بنية الوقف.
وأما إسكان اللام من ثلثه فلم ينقل في هذه القراءات المشهورة، وقد حكاه أبو عبيد، ثم الأهوازى بعده عن ابن كثير، ووجهه ظاهر كما قرأ هشام بإسكان اللام من ثلثى الليل للتخفيف. فكلاهما سواء، فلو كانت هذا القراءة مما ذكر في هذه القصيدة لكان الاختيار وثا ثلثه، بإسكان اللام وقصر لفظ «ثا» ضرورة،
وكذا لفظ فانصفه، وظبى جمع ظبة السيف، وهو حده أى ذا ظبا، أى صاحب حجج تحميه عن الطعن والاختيان عليه، فإن أبا عبيد قال قراءتنا التى نختار الخفض كقوله سبحانه علم أن لن تحصوه فكيف يقدرون على أن يعرفوا نصفه وثلثه وهم لا يحصونه، ووجه النصب في ونصفه وثلثه العطف على محل أدنى أى تقوم أقل من الثلثين، وتقوم نصفه وتقوم ثلثه، والخفض عطف على ثلثى الليل، أى وأقل من نصفه وثلثه، ومجموع القراءتين محمول على اختلاف الأحوال لتكرر الليالى واختلافها، فمرة يقوم نصف الليل محرزا ومرة أقل منه، وكذلك الثلث وتارة أقل من الثلثين، أى إن ربك يعلم أنكم تأتون بالواجب مرة وبدونه أخرى، لكن الثلثين ما تكملون لطوله فيقع منكم الغلط فيه وجعل الفراء والزجاج قوله ونصفه وثلثه على قراءة النصب تفسيرا للأدنى المذكور، وهو مشكل من جهة أن واو العطف تمنع من ذلك وكان النبى صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، مخيرين بين هذه التقديرات الثلاثة في قيام الليل على اختلاف مراتبها في الأجر، وأقرب شيء لهذا الحكم التخيير بين خصال كفارة اليمين على تفاوت مراتبها والتخيير بين نفرى الحجج، وقيل إنما وقع التخيير بين هذه الثلاثة باعتبار تفاوت الأزمان، فالنصف عند الاعتدال وما قاربه وقيام الثلثين أو الأدنى من ثلثى الليل عند الطول، وقيام الثلث عند قصر الليل، والدليل على التخيير قوله تعالى في أول السورة {قُمِ اللَّيْلَ إِلََّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ} وللعلماء في إعراب نصفه قولان مشكلان: