فهرس الكتاب

الصفحة 742 من 791

وأما إسكان اللام من ثلثه فلم ينقل في هذه القراءات المشهورة، وقد حكاه أبو عبيد، ثم الأهوازى بعده عن ابن كثير، ووجهه ظاهر كما قرأ هشام بإسكان اللام من ثلثى الليل للتخفيف. فكلاهما سواء، فلو كانت هذا القراءة مما ذكر في هذه القصيدة لكان الاختيار وثا ثلثه، بإسكان اللام وقصر لفظ «ثا» ضرورة،

وكذا لفظ فانصفه، وظبى جمع ظبة السيف، وهو حده أى ذا ظبا، أى صاحب حجج تحميه عن الطعن والاختيان عليه، فإن أبا عبيد قال قراءتنا التى نختار الخفض كقوله سبحانه علم أن لن تحصوه فكيف يقدرون على أن يعرفوا نصفه وثلثه وهم لا يحصونه، ووجه النصب في ونصفه وثلثه العطف على محل أدنى أى تقوم أقل من الثلثين، وتقوم نصفه وتقوم ثلثه، والخفض عطف على ثلثى الليل، أى وأقل من نصفه وثلثه، ومجموع القراءتين محمول على اختلاف الأحوال لتكرر الليالى واختلافها، فمرة يقوم نصف الليل محرزا ومرة أقل منه، وكذلك الثلث وتارة أقل من الثلثين، أى إن ربك يعلم أنكم تأتون بالواجب مرة وبدونه أخرى، لكن الثلثين ما تكملون لطوله فيقع منكم الغلط فيه وجعل الفراء والزجاج قوله ونصفه وثلثه على قراءة النصب تفسيرا للأدنى المذكور، وهو مشكل من جهة أن واو العطف تمنع من ذلك وكان النبى صلّى الله عليه وسلم وأصحابه، مخيرين بين هذه التقديرات الثلاثة في قيام الليل على اختلاف مراتبها في الأجر، وأقرب شيء لهذا الحكم التخيير بين خصال كفارة اليمين على تفاوت مراتبها والتخيير بين نفرى الحجج، وقيل إنما وقع التخيير بين هذه الثلاثة باعتبار تفاوت الأزمان، فالنصف عند الاعتدال وما قاربه وقيام الثلثين أو الأدنى من ثلثى الليل عند الطول، وقيام الثلث عند قصر الليل، والدليل على التخيير قوله تعالى في أول السورة {قُمِ اللَّيْلَ إِلََّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ} وللعلماء في إعراب نصفه قولان مشكلان:

أحدهما أنه بدل من الليل، ويلزم منه التكرير، فإن قوله قم نصف الليل إلا قليلا هو الثلث، فأى حاجة إلى قوله أو انقص منه قليلا وإن كان البدل بعد الاستثناء كأنه قال: قم أكثر الليل نصفه أى نصف أكثر الليل أو انقص منه كان ذلك ردا إلى تنصيف مجهول، فقوله قم ثلث الليل كان أخصر، فأولى.

الوجه الثانى أن نصف بدل من قليلا، وهو مشكل من جهة استثناء النصف وتسميته قليلا، فكيف يكون نصف الشيء قليلا بالنسبة إلى الباقى، وهما متساويان، فإن كان الباقى كثيرا فالآخر مثله، وإن كان المستثنى قليلا فالآخر مثله، فلا يستقيم في إعراب نصفه إلا أن يكون مفعول فعل مضمر دل عليه ما تقدم، أى قم نصفه أو انقص أو زد.

ويكون في فائدة الآية التى قبلها وجهان:

أحدهما: أنه إرشاد إلى المرتبة العليا وهى قيام أكثر الليل ثم خير بينه وبين ما دونه تخفيفا، لأنه تكليف في ابتداء أمر لم يعتادوه، ومنه ما جاء في صفة عبد الله بن عمر رضي الله عنه لما سمع قول النبى صلّى الله عليه وسلم في حقه:

«نعم الرجل عبد الله لو كان يصلّى من الليل» .

قال نافع: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا. وهذا موافق لما دلت عليه آية أخرى في سورة والذاريات في صفة المؤمنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وذلك أن الموفقين إذا أخذوا أنفسهم بقيام الليل واعتادوه صار أشهى إليهم من راحة النوم لولا حظ الطباع البشرية من ذلك القدر القليل.

الوجه الثانى: أن يكون المراد من الليل جنس الليالى لا كل ليلة بانفرادها، على الصفة التى بينت في الآية الأخرى، وهذا كما يوصى بعض المسافرين لخوف الحر، فيقال سر الليل، ثم يبين له فيقال ارحل من نصف الليل أو ثلثه أو أوله، ويكون قوله تعالى {إِلََّا قَلِيلًا} استثناء لليالى الأعذار من مرض أو غلبة نوم أو نحو من ذلك، ثم انتقل إلى سورة المدثر فقال:

1090[والرّجز ضمّ الكسر حفص إذا قل اذ

وأدبر فاهمزه وسكّن (ع) ن (ا) جتلا]

يعنى راء والرجز فاهجر وفسر المضموم بالأوثان والمكسور بالعذاب:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت