56 [ومهما أتت من قبل أو بعد كلمة ... فكن عند شرطى واقض بالواو فيصلا]
أى هذه الكلمات الثمانى التى وضعتها رمزا تارة أستعملها مجردة عن الرمز الحرفى الذى تقدم ذكره، وتارة يجتمعان. فإذا اجتمعا لم ألتزم ترتيبا بينهما، فتارة يتقدم الحرف على الكلمة، وتارة تتقدم الكلمة على الحرف كقوله: وعم فتى، نعم عم، صحبة كهف، كفء صحبة، وتارة تتوسط الكلمة بين حرفين كقوله: صفو
حرميه رضى، يبشركم سما نعم. ومدلول كل واحد من الحرف والكلمة بحاله لا يتغير بالاجتماع، فهذا معنى قوله:
فكن عند شرطى: أى على ما شرطته واصطلحت عليه من موضوع كل واحد منهما: أى أنه باق بحاله، واقض بالواو فيصلا عند انتهاء كل مسألة، سواء كان رمزها بالحرف أو بالكلمات أو بهما إلا حيث لا ريبة في الاتصال كقوله: وخفف حق سجرت البيت.
فالمعنى مهما أتت من قبل الرمز الحرفى أو من بعده كلمة من هذه الكلمات الثمانى أو مهما أتت من قبل هذه الكلمات الثمانى أو بعدها كلمة من الكلمات التى تدخل حروف أوائلها على القارئ، سواء كان مفردا كالألف والدال أو مجتمعا كالشين والذال. وفى مهما بحوث حسنة ذكرناها في الشرح الكبير.
وحاصله أنها في استعمال الناظم هنا وفى قوله: ومهما تصلها أو بدأت براءة بمعنى شيء ما، ووجه صحة هذا الاستعمال أن مهما مركبة من ما التي للشرط ومن ما المزيدة للتأكيد ثم أبدلت ألف ما الجزائية هاء فصار مهما.
وقد استقر أن ما الجزائية تتضمن معنى الزمان، ولهذا يقال لها الظرفية كقوله تعالى:
{ (فَمَا اسْتَقََامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ} [1] ) .
فمتى أبدلت ألف الظرفية هاء لدخول المزيدة عليها صار مهما متى ما ومتى كانت المبدلة غير ظرفية لم تكن بهذا المعنى، والله أعلم.
57 [وما كان ذا ضدّ فإنّى بضدّه ... غنىّ فزاحم بالذّكاء لتفضلا]
أى وما كان من وجوه القراءات له ضد فإنه يستغنى بذكر أحدهما عن ذكر الآخر، فيكون من سمى يقرأ بما ذكر، ومن لم يسم يقرأ بضد ما ذكر كقوله. وخف لووا إلفا، فيعلم أن غير نافع يشدده، وليس هذا الاستغناء بلازم فإنه قد يذكر القراءة الأخرى المعلومة من الضد كقوله: ولكن خفيف والشياطين رفعه البيت، وإن لم تكن القراءة الأخرى تعلم بالضد ذكرهما نحو: أوصى بوصى كما اعتلا، أنجيت للكوفى أنجا تحولا.
ومتى لفظ بالقراءتين فلا حاجة إلى تقييد واحدة منهما، فإن قيده كان زيادة بيان كما فعل في وما يخدعون وإنما قال بضده ولم يقل به، ولا بذكره، لأنه قصد المعنى المذكور في قوله تعالى:
{ (أَنْ تَضِلَّ إِحْدََاهُمََا فَتُذَكِّرَ إِحْدََاهُمَا الْأُخْرى ََ} [2] ) .
ولم يقل فتذكرها: أى أيتهما ضلت ذكرتها الأخرى، فهذا اللفظ أو غل في الإبهام من ذكر الضمير، وكذا قوله بضده: أى استغنى بأحد الضدين عن الآخر.
واعلم أنه لم يبن كلامه في الأضداد هنا على ما يعلم بالعقل أنه ضده، بل بعضه كذلك وبعضه اصطلح هو عليه، وبيان ذلك فيما ذكر من الأمثلة كما سيأتى، وقد لف بعضها ببعض والذكى يميز ذلك، ولهذا قال: فزاحم بالذكاء لتفضلا.
(1) سورة التوبة، آية: 7.
(2) سورة البقرة، آية: 282.