وقوله «أتى راشدا، رمز لنافع والكسائى، فهما المخبران في الثانى فقرأ إنا بهمزة واحدة مكسورة وراشدا حال أو مفعول به، أى أتى الإخبار قارئا راشدا، وولا بفتح الواو في موضع نصب على التمييز، أى
راشدا ولاؤه، وهو وما قبله المكسور الواو ممدودان، وإنما قصرا للوقف عن ما ذكرناه مرارا.
792[سوى العنكبوت وهو في النّمل (ك) ن (ر) ضا
وزاداه نونا إنّنا عنهما اعتلا]
أى لم يقرأ أحد في ثانى العنكبوت بالإخبار، وهو يعنى الإخبار في ثانى النمل لابن عامر والكسائى، وأما نافع فاستفهم كالباقين، لأنه قرأ الأول بالخبر كما سبق، وكذا فعل في العنكبوت لما أخبر في الأولى استفهم في الثانى وابن عامر لما كان مستفهما في أول النمل على خلاف أصله أخبر في الثانى هنا على خلاف أصله أيضا، ثم قال:
وزاده نونا، أى زاد ابن عامر والكسائى الثانى في النمل نونا، فقراءة:
(أءنا لمخرجون) .
والباقون بنون واحدة، والاستفهام أئنا ثم قال:
793[و (عمّ) (ر) ضا في النّازعات وهم على
أصولهم وامدد (ل) وى (ح) افظ (ب) لا]
رضى في موضع نصب على التمييز أى عم رضا الإخبار في ثانى النازعات، فقرئ إذا كنا بهمزة واحدة فوافق ابن عامر نافعا والكسائى في أصلهما الذى هو الإخبار في الثانى، لأنه يقرأ الأوّل بالاستفهام، فهو كما قرأ في النمل، وكان القياس أن يفعل في الواقعة كذلك، لكنه استفهم في الموضعين. كما أن الكسائى استفهم في موضعى العنكبوت، فخالفا أصلهما فيهما، والباقون على الاستفهام مطلقا، وهم على أصولهم في ذلك، لأنه اجتمع في قراءتهم بالاستفهام همزتان في الأوّل وهمزتان في الثانى.
فمن مذهبه تحقيق الهمزتين وهم الكوفيون وابن عامر: حقق.
ومن مذهبه تسهيل الثانية سهل، وهم الحرميان وأبو عمرو، على ما تمهد في باب الهمزتين من كلمة.
ومن مذهبه المد بين الهمزتين سواء كانت الثانية محققة أو مسهلة مدهنا، وهم أبو عمرو وقالون وهشام. وقد رمزهم هنا بقوله «وامدد لوى حافظ بلا» وإنما اعتنى ببيان ذلك ولم يكتف بما تقدم في باب الهمزتين من كلمة «إعلاما» بأن هشاما يمد هنا بغير خلاف عنه، بخلاف ما تقدم في الباب المذكور، وقد ذكر لهشام فيه سبعة مواضع لا خلف عنه في مدها، فهذا الباب كذلك، وقوله «وامدد لوى» أراد «لوا» الممدود، فقصره ضرورة، وهو مفعول امدد وإذا مد اللواء ظهر واشتهر أمره، لأن مد نشره بعد طيه، فكأنه يقول انشر علم الحفظة القراء وأشهر قراءاتهم، ومعنى ابتلا: اختبر، وهو صفة لحافظ، وأشار الشيخ إلى أن لوى في موضع نصب على الحال، أى في علوّ لواء الحافظ وشهرته، واعلم أن القراءة بالاستفهام في هذه المواضع في الأصل، وهو استفهام: الانكار والتعجب، ومن قرأ بالخبر في الأول أو الثانى استغنى بأحد الاستفهامين عن الآخر، وهو مرا فيه، ومن جمع بينهما فهو أقوى تأكيدا، والعامل في إذا من قوله إذا كنا في أول المواضع التسع،
وثانى النازعات فعل مضمر يدل عليه ما بعده في الأوّل وما قبله في الثانى. تقديره أنبعث إذا كنا ترابا؟ أنرد إذا كنا عظاما نخرة؟ ومن قرأ بالإخبار في ثانى النازعات جاز أن يتعلق إذا بما قبله، وهو لمردودون وأما الإخبار في باقى المواضع فلفظه «إنا» فلا يعمل ما بعد إن فيما قبلها، كما لا يعمل ما بعد الاستفهام فيما قبله، نص عليه أبو على، وأما الموضع الحادي عشر، وهو الذى في العنكبوت، فليس فيه لفظ إذا، فالأمر فيه ظاهر.