أعلاه تضم ذاله وتكسر، ويجتلى: معناه ينظر إليه بارزا من قولهم اجتليت العروس، وعبر بذلك عن عظم أمره فهو سالم من كل آفة، والله أعلم.
14 [يناشده في إرضائه لحبيبه ... وأجدر به سؤلا إليه موصّلا]
«يناشد» أى يسأل ربه، وقيل معناه يكثر المسألة ملجأ فيها وعدى بفى لأن في المناشدة معنى الرغبة، وفاعل يناشد ضمير عائد على القرآن العزيز، وهو جملة واقعة خبرا لقوله: وإن كتاب الله أوثق شافع بعد أخبار سلفت:
أى هو أوثق شافع وخير جليس، ويلقى قارئه حيث يرتاع ويناشد في إرضائه، والهاء في لحبيبه تعود على القرآن العزيز، وحبيبه قارئه العامل بما فيه، والهاء في إرضائه يعود إلى الله تعالى، وقد تقدم ذكره في قوله: وإن كتاب الله كقولك: غلام زيد يطلب منه كذا: أى من زيد أى يناشد الله تعالى في أن يرضى حبيبه: أى يعطيه من الأجر والثواب ما تقرّ به عينه، فالإرضاء مضاف إلى الفاعل، وعدى الإرضاء بلام الجر لأنه مصدر نحو:
عجبت من ضرب لزيد. ويجوز أن يكون التقدير يناشد لحبيبه في إرضائه: أى يسأل الله تعالى في أن يرضى حبيبه، ففي الكلام تقديم وتأخير فتكون الهاء في إرضائه للحبيب، والإرضاء حينئذ مضاف للمفعول، وقيل الهاء في إرضائه للقرآن العزيز: أى يسأل ربه أن يعطى القارئ ما يرضى به القرآن وتكون اللام في لحبيبه بمعنى لأجل حبيبه.
وفى كتاب الترمذى من حديث أبى هريرة رضي الله عنه عن النبى صلّى الله عليه وسلم قال:
«يجيء القرآن يوم القيامة، فيقول يا ربّ حلّه فيلبس تاج الكرامة، فيقول يا ربّ زده حلّة الكرامة، ثمّ يقول يا ربّ ارض عنه فيرضى عنه، فيقال: اقرأ وارق ويزداد بكلّ آية حسنة» .
قال هذا حديث حسن. وروى عن أبى هريرة رضي الله عنه غير مرفوع. وفى هذا المعنى أحاديث كثيرة ذكرناها في الشرح الكبير. وقوله وأجدر به تعجب كأخلق به: أى ما أجدره بذلك وأحقه به، والسؤل المسئول وهو المطلوب ونصبه على التمييز وموصلا نعته وإليه متعلق بموصلا والهاء عائدة على القرآن العزيز أو على القارئ، والضمير في له للإرضاء: أى ما أحق سؤله أن يوصل إليه، وقيل يجوز أن يكون الهاء في إليه للرضى الدال عليه الإرضاء أو للإلحاح الدال عليه يناشد، وموصلا حال من القرآن العزيز، وقيل غير ذلك على ما بينا وجه فساده في الشرح الكبير، والله أعلم.
15 [فيا أيّها القارى به متمسّكا ... مجلّا له في كلّ حال مبجّلا]
نادى قارئ القرآن المتصف بالصفات المذكورة في هذا البيت وبشره بما ذكره في البيت الآتى وبعده [1]
والقارئ مهموز، وإنما أبدل الهمزة ياء ضرورة، والهاء في به للقرآن وهو متعلق بمتمسكا مقدم عليه: أى متمسكا به، يعنى عاملا بما فيه ملتجئا إليه في نوازله كما قال تعالى:
{ (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتََابِ) } [2] .
(1) أى الآتى بعده وبعده فحذف الأول للقرينة اهـ من هامش الأصل.
(2) سورة الأعراف، آية: 170.