نجوت وقد بل المرادى سيفه ... من ابن أبى شيخ الأباطح طالب
أى من ابن أبى طالب شيخ الأباطح، ففصل بين مضاف ومضاف إليه، وهو صفة لذلك المضاف والمضاف إليه، وابن أبى طالب هو: علىّ رضي الله عنه، ولا يعدّ فيما استبعده أهل النحو من جهة المعنى، وذلك أنه قد عهد تقدم المفعول على الفاعل لمرفوع لفظا، فاستمرت له هذه المرتبة مع الفاعل المرفوع تقديرا، فإن المصدر لو كان منونا لجاز تقدم المفعول على فاعله، نحو أعجبنى ضرب عمرا زيد، فكذا في الإضافة، وقد ثبت جواز الفصل بين حرف الجر ومجروره مع شدة الاتصال بينهما أكثر من شدته بين المضاف والمضاف إليه، في نحو قوله تعالى:
{ (فَبِمََا نَقْضِهِمْ مِيثََاقَهُمْ} [1] {فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اللََّهِ} [2] ) .
فإن قالوا: ما زائدة، فكأنها ساقطة في اللفظ لسقوطها في المعنى.
قلت: والمفعول المقدم هو في غير موضعه معنى، فكأنه مؤخر لفظا، ولا التفات إلى قول من زعم أنه لم يأت في الكلام المنثور مثله، لأنه ناف، ومن أسند هذه القراءة مثبت والإثبات مرجح على النفى بإجماع، ولو نقل لى هذا الزاعم عن بعض العرب أنه استعمله في النثر لرجع عن قوله، فما باله لا يكتفى بناقلى القراءة عن التابعين، عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ثم الذى حكاه ابن الأنبارى فيه الفصل في غير الشعر بجملة مستقلة مركبة من فعل وفاعل، مع حرف شرط، مما يقوى ما ذكرناه أنهم التزموا أن انفصل بالجار والمجرور لم يأت إلا في الشعر، وقد روت الرواة في أحاديث النبى صلّى الله عليه وسلم الفصل بهما، وهو نحو قوله صلّى الله عليه وسلم:
«فهل أنتم تاركوا لى صاحبى» ، و «تاركوا لى أمرائي» .
أى تاركوا صاحبى لى، وتاركوا أمرائى لى، فلم يبق لهم تعلق بأنه لم يأت في الكلام المنثور فصل بالمفعول ولا بالظرف ونحوه، والله أعلم.
قال أبو القاسم الكرمانى في لباب التفاسير: قراءة بن عامر وإن ضعفت في العربية للإحالة بين المضاف والمضاف إليه، فقويت في الروية عالية، وفى كتاب الخصائص لابن جنى بأن ما يرد عن العربى مخالفا للجمهور إذا تفق شيء من ذلك، نظر في حال العربى، وفيما جاء به، فإن كان فصيحا وكان ما أورده مما يقبله القياس، فإن الأولى أن يحسن الظن به، وقد يمكن أن يكون ذلك وقع إليه من لغة قديمة قد طال عهدها وعفا رسمها، أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن أبى الحجاج، عن أبى خليفة الفضل ابن الحباب، قال: قال ابن عون عن ابن سيرين، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهيت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب في الأمصار راجعوا رواية الشعر، فلم يثوبوا إلى ديوان مدوّن ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك، وقد هلك من هلك من العرب بالموت والقتل فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم كثيره، قال:
وحدثنا أبو بكر عن أبى خليفة قال: قال يونس بن حبيب قال أبو عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير، قال أبو الفتح: إذا كان الأمر كذلك لم يقطع على الفصيح يسمع منه ما يخالف الجمهور بالخطإ، ما وجد طريق إلى تقبل ما يورده إذا كان القياس يعاضده.
قلت: وقد بينا وجه القياس في هذه القراءة، وقد حان نقلها من طريق صحيح، وبالله التوفيق:
وقول الناظم رحمه الله أبى مزادة الأخفش بفتح الهاء من مزادة: أراد أن يأتى بلفظ الشاعر فأبقى الهاء ساكنة فلقيها سكون اللام في الأخفش، فلزم تحريكها ففتحها، على حدّ قوله سبحانه:
{ (الم اللََّهُ) } .
(1) سورة النساء، آية: 155والمائدة، آية: 13.
(2) سورة آل عمران، آية: 159.