يطفن بحوزىّ المراتع لم ترع ... بواديه من قرع القسى الكنائن
قال: وزعموا أن أبا الحسن أنشد «زجّ القلوص أبى مزادة» فهذان البيتان مثل قراءة ابن عامر، قال ابن جنى في بيت الطرماح: لم نجد فيه بدّا من الفصل، لأن القوافى مجرورة، قال في زجّ القلوص فصل بينهما بالمفعول
به، هذا مع قدرته على أن يقول زجّ القلوص أبو مزادة، كقولك سرنى أكل الخبز زيد، قال: وفى هذا البيت عندى دليل على قوّة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم، وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى المفعول، ألا تراه ارتكب هنا الضرورة مع تمكنه من ترك ارتكابها، لا لشيء غير الرغبة في إضافة المصدر إلى الفاعل دون المفعول قال أبو الحسن الحوفىّ، احتج ابن الأنبارى لهذه القراءة فقال: قد جاء عن العرب: هو غلام إن شاء الله أخيك ففرق بإن شاء الله، ويروى أن عبد الله بن ذكوان قال: سألنى الكسائى عن هذا الحرف وما بلغه من قراءتنا فرأيته كأنه أعجبه، ونزع بهذا البيت:
تنفى يداها الحصى في كل هاجرة ... نفى الدراهم تنقاد الصياريف
فنصب الدراهم، ورواه غيره بخفض الدراهم، ورفع تنقاد على الصحة. قلت: وإنما أعجب الكسائى لأنه وافق عنده ما بلغه من جواره لغة، ومثله ما أنشده غيره:
فداسهم دوس الحصاد الدائس
أى دوس الدائس الحصاد، وفى شعر أبى الطيب، سقاها الحجى سقى الرياض السحائب
أى سقى السحائب الرياض، قال أبو الحسن ابن خروف: يجوز الفصل بين لمصدر والمضاف إليه بالمفعول لكونه في غير محله، فهو في نية التأخير، ولا يجوز بالفاعل لكونه في محله، وعليه قراءة ابن عامر:
قلت: وقد أنشد الشيخ أبو العلاء المعرى في شرحه بيتا فيه الفصل بالفاعل وبالجار والمجرور معا، وهو تمر على ما تستمر وقد شفت ... غلائل عبد القيس منها صدورها
أى: شفت عبد القيس غلائل صدورها منها وجاء الفصل أيضا بالمنادى المضاف، أنشد ابن جنى في كتاب الخصائص:
كأن برذون أبا عصام ... زيد حمار دق باللجام
قال أى كأن برذون زيد يا أبا عصام حمار دق باللجام قلت: ووجدت في شعر أسند إلى الفرس معاوية يخاطب به عمرو بن العاص رحمهما الله تعالى:
نجوت وقد بل المرادى سيفه ... من ابن أبى شيخ الأباطح طالب
أى من ابن أبى طالب شيخ الأباطح، ففصل بين مضاف ومضاف إليه، وهو صفة لذلك المضاف والمضاف إليه، وابن أبى طالب هو: علىّ رضي الله عنه، ولا يعدّ فيما استبعده أهل النحو من جهة المعنى، وذلك أنه قد عهد تقدم المفعول على الفاعل لمرفوع لفظا، فاستمرت له هذه المرتبة مع الفاعل المرفوع تقديرا، فإن المصدر لو كان منونا لجاز تقدم المفعول على فاعله، نحو أعجبنى ضرب عمرا زيد، فكذا في الإضافة، وقد ثبت جواز الفصل بين حرف الجر ومجروره مع شدة الاتصال بينهما أكثر من شدته بين المضاف والمضاف إليه، في نحو قوله تعالى:
{ (فَبِمََا نَقْضِهِمْ مِيثََاقَهُمْ} [1] {فَبِمََا رَحْمَةٍ مِنَ اللََّهِ} [2] ) .