وأظن أن الذى حملهم على ارتكاب هذه الأوجه البعيدة، وتركهم الوجه الواضح الذى ذكرته أولا، اعتقادهم أن فيصبحوا ليس نصبا على جواب الترجى، لأن الترجى من الله تعالى إيجاب وتحقيق، فلم يكن متى الترجى حاصلا، فيكون فيصبحوا عطفا على أن يأتى بالفتح ولا يستقيم عطف ويقول على ظاهر قوله أن يأتى فتأولوا هذه التأويلات، ونحن نقول: وإن كان الأمر كذلك فلا يمتنع النصب اعتبارا بلفظ الترجى، وهذا متعين في تعليل قراءة عاصم:
{ (فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ََ} [1] ) .
بالنصب في سورة عبس، فهو في جواب:
{ (لَعَلَّهُ يَزَّكََّى} [1] ) .
فكذا هاهنا، والله أعلم.
وقول الناظم: ورافع سوى ابن العلا: رافع خبر مقدم، والمبتدأ قوله سوى ابن العلا، أى غير ابن العلا رافع ليقول، وفى هذه العبارة نظر، فإن أكثر النحويين يقولون إن سوى التى بمعنى غير، لازمة للنصب على الظرفية، فلا يجوز أن يليها عامل يقتضى غير ذلك، إلا أن المختار خلاف ما ذكروه، ففي أبيات الحماسة:
ولم يبق سوى العدوان
فإذا جاز وقوع سوى فاعلة جاز وقوعها مبتدأ وأما:
{ (مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} [3] ) .
فرسم بدالين في مصاحف المدينة والشام، وبدال واحدة في المصاحف الباقية، فكل من القراء وافق مصحفه، وهما لغتان: الإدغام لتميم، والإظهار لأهل الحجاز، وقد جاء التنزيل بالأمرين:
{ (وَمَنْ يُشََاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مََا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ََ} [4] {وَمَنْ يُشَاقِّ اللََّهَ} [5] ) .
والمرسل المطلق: يعنى أنه أطلق من عقال الإدغام، والضمير في عم: لقوله من يرتد، ثم بين قراءة الباقين، فقال:
622[وحرّك بالإدغام داله
وبالخفض والكفّار (ر) اويه (ح) صّلا]
يعنى: الدال الثانية حركت بالفتح مصاحبة لإدغام الأولى فيها، فالباء في بالإدغام باء المصاحبة، مثل:
دخل عليه بثياب السفر، وليست باء الاستعانة بالآلة، نحو: كتبت بالقلم، فإن الإدغام لا يصلح آلة للتحريك فإن قلت: من أين علم أن مراده بالتحريك الفتح؟ قلت: لأنه ذكره غير مقيد، وذلك هو الفتح في اصطلاحه
(1) سورة عبس، آية: 3و 4.
(3) سورة المائدة، آية: 54.
(4) سورة النساء، آية: 115.
(5) سورة الحشر، آية: 4.