قال مكى: ميم الجمع أغفل القراء الكلام عليها، والذى يجب فيها على قياس شرطهم أن يجوز فيها الروم والإشمام، لأنهم يقولون: لا فرق بين حركة الإعراب وحركة البناء في جواز الروم والإشمام، فالذى يروم ويشم حركة الميم على النص غير مفارق له، للإجماع، والذى لا يروم حركة الميم خارج عن النص بغير رواية، اللهم إلا أن يوجد الاستثناء فيها منصوصا، فيجب الرجوع إليه إذا صح، قال: وليس ذلك بموجود، ومما يقوى جواز ذلك فيها نصهم على هاء الكناية بالروم والإشمام، فهى مثل الهاء، لأنها توصل بحرف بعد حركتها كما توصل الهاء، ويحذف ذلك الحرف في الوقف، كما يحذف مع الهاء، فهى مثلها في هذا، غير أن الهاء أخفى منها، فلذلك امتنعت الهاء عند القراء من الروم والإشمام، إذا كانت حركتها مثل حركة ما قبلها. أو كان قبلها ساكن من جنس حركتها، وهذا لا يكون في الميم، لأنها ليست بالخفية، ولو كانت في هذا مثل الهاء لم يجز الإشمام فى:
(يا قوم ويحكم) .
وليس في جوازه اختلاف، وليس قول من يمنع ذلك لأجل أن الميم من الشفتين بشيء، لإجماع الجميع على الروم والإشمام في الميم التى في أواخر الأفعال والأسماء، التى ليست للجمع، ولو تم له منع الإشمام فيها لم يتم له منع الروم، فقياس ميم الجمع لمن ضمها وهو يريد بالضم أصلها أن يقف عليها كغيرها من المتحركات، والإسكان حسن فيها، فأما من حركها لالتقاء الساكنين، فالوقف له بالسكون لا غير، قلت: فنحو:
{ (عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) } .
حركة الميم بالضم أو الكسر هى لالتقاء الساكنين عند الأكثر، فلا ترام ضما ولا كسرا، ولا تشم ضما، وهى في مذهب من يرى الصلة ليست لالتقاء الساكنين، فيجوز فيها الروم والإشمام على مذهب ابن كثير على ما ذكره متى، وفرق الدانى بين ميم الجمع وهاء الكناية، بأن الهاء محركة قبل الصلة، بخلاف الميم، يعنى بدليل قراءة الجماعة، فعوملت حركة الهاء في الوقف معاملة سائر الحركات، ولم يكن للميم حركة فعوملت بالسكون، فهى كالتى تحرك لالتقاء الساكنين كما يأتى.
الموضع الثالث قوله: وعارض شكل، الشكل عبارة عن الحركة هنا تجوّزا على تجوّز، وذلك أن استعماله في دلالة الخط على الحركات والسكون مجاز، لأنه تقييد كالشكل في الدواب، ثم استعماله مخصصا بالحركة تجوز آخر، ودلت قرينة الكلام في الروم والإشمام على هذا التجوز. لأنهما لا يدخلان إلا في متحرك، أى وفى شكل عارض، أى حركة عارضة، فهو من باب حسن وجه، إلا أنه لا يجوز أن تقول: مررت بحسن وجه، وأنت تريد بوجه حسن، لما فيه من إضافة الصفة إلى الموصوف، وإنما يجوز على تقدير: مررت بشخص حسن وجه، فعلى هذا يكون تقدير البيت: وفى لفظ عارض شكل لم يدخلا، وذلك حركة التقاء الساكنين. نحو:
لم يكن الذين:
{ (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ} {وَعَصَوُا الرَّسُولَ} {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسََانُ} {وَيَوْمَئِذٍ) } .
لأنه ليس هنا حركة فتفتقر إلى دلالة، والعلة الموجبة للتحريك في الوصل مفقودة في الوقف، لأن الساكن الذى من أجله تحرك الحرف الأوّل قد باينه وانفصل عنه، فأما حركة نحو القاف من قوله تعالى:
{ (وَمَنْ يُشَاقِّ اللََّهَ) } .
فترام، وإن كانت حركة التقاء الساكنين أيضا، لأن الأصل يشاقق، فأدغم وحرك، وسببه دوام مصاحبة الساكن المدغم وقفا ووصلا، ومما يمتنع رومه من الحركات العارضة حركة الهمزة المنقولة في قراءة ورش نحو:
{ (مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} و {قُلْ أُوحِيَ) } .
قال مكى: فأما إن كان الذى أوجب الحركة في الحرف لازما، فالروم والإشمام جائزان فيه، على ما قدمناه في الوقف على:
(جزء وملء ودفء) .
إذا ألقيت حركة الهمزة على ما قبلها في قراءة حمزة وهشام، لأنها حركة الهمزة، وهى تدل عليها، فكأن الهمزة ملفوظ بها، قال: فأما: