والأحرف الثلاثة الباقية هى من حروف الحلق: الألف، والحاء، والعين، أما الألف فلأنها ساكنة لا يمكن كسرها، ولو كسر ما قبلها، لكانت الإمالة للألف لا للهاء، وأما الحاء والعين، فلأنها أقرب حروف الحلق إلى حروف الاستعلاء، فأعطيا حكمها، ثم قال: «وأكهر» أى حروف أكهر، وهى أربعة: الهمزة، والكاف، والهاء، والراء، إذا وقعت قبل هاء التأنيث، بعد ياء ساكنة أو كسرة أميلت، فذكر الباء في هذا البيت، والكسر في البيت الآتى، ويلزم من إمالة هذه الحروف إمالة الهاء بعدها، «والأكهر» : الشديد العبوس، يقال كهره: إذا استقبله بذلك، والكهر ارتفاع النهار مع شدة الحر، ويسكن في موضع الحال من الياء والضمير في ميلا: عائد على لفظ أكهر، دون معناه، وهما مبتدأ وخبر، وذكر ميلا معاملة للمضاف إليه بعد حذف المضاف لما أقيم مقامه، فهو من باب قوله تعالى:
(وكم من قرية أهلكناها فجاءها) .
وشبهه، ولو عامل المضاف المحذوف لقال: ميلت، كما قال تعالى بعد ذلك:
{ (أَوْ هُمْ قََائِلُونَ) } .
وإنما اختار الناظم ذلك لأجل القافية، فمثال الهمزة بعد الياء الساكنة:
(خطيئة هيئة وبعد الكسر خاطئة) .
ومثال الكاف بعد الياء الساكنة:
(الأيكة وبعد الكسر الملائكة) .
ومثال الهاء بعد الكسر:
(آلهة وفاكهة) .
ولا مثال لها بعد الياء الساكنة في القرآن، ومثال الراء بعد الياء:
(لكبيرة وصغيرة وبعد الكسر تبصرة والآخرة) .
وقد ذكر الكسر قبل الأربعة في قوله:
340 [أو الكسر والإسكان ليس بحاجز ... ويضعف بعد الفتح والضّمّ أرجلا]
إذا وقع بين الكسر وبين الراء حرف ساكن لم يكن ذلك بحاجز، أى بمانع للكسر من اقتضائه الإمالة، فكأنه قال: أو تقع هذه الحروف الأربعة بعد كسر يليها، أو بعد ساكن يليه كسر، ولا مثال لهذا في الهمزة والكاف، وإنما مثاله في الهاء، نحو: وجهة، وفى الراء، نحو عبرة وسدرة واختلف في فطرة لأجل أن الساكن حرف الاستعلاء، فقوى المانع، وهذا وجه جيد، ويقويه ما يأتى في الراءات فإنه اعتد به حاجزا فمنع الترقيق فكذا يمنع الإمالة ولكن هما بابان كل باب لقارئ فلا يلزم أحدهما مذهب الآخر، والكل جائز:
الإمالة والترك في اللغة، ومثاله ترك ورش ترقيق راء عمران للعجمة، وابن ذكوان رققها تبعا لإمالة الألف بعدها، ولم ينظر إلى العجمة، ثم قال: ويضعف، يعنى أكهر: ضعفت حروفه عن تحمل الإمالة إذا وقعت بعد الفتح والضم، وأرجلا، جمع رجل، ونصبه على التمييز: استعار ذلك لما كان يقال لكل مذهب ضعيف هذا لا يتمشى، ونحوه، لأن الرجل هى آلة المشى، فمثال الهمزة بعد الفتح امرأة، فإن فصل بين الفتح وبين الهمزة فاصل ساكن فإن كان ألفا منع أيضا، نحو:
(براءة) .
وإن كان غير ألف اختلف فيه نحو:
(سوأة) .
وكهيئة والنشأة، قال الدانى: والقياس الفتح، كأنه أراد القياس على الألف، أو لأن الإسكان لمّا لم يحجز الكسر عن اقتضاء الإمالة في نحو:
(عبرة) .