339 [ويجمعها (حقّ ضغاط عص خظا) ... و (أكهر) ببعد الياء يسكن ميّلا]
أى يجمع تلك الحروف هذه الكلمات الأربع، وضغاط جمع ضغطة، وعص بمعنى عاص، وخظا بمعنى سمن، واكتنز لحمه، يشير إلى ضغطة القبر وهى عصرته والضيق فيه، والعاصى حقيق بذلك، ولا سيما
إذا كان سمينا، وكأنه يشير بالسمن إلى كثرة ذنوبه، كما يوصف من كثر ماله بذلك، والسمن الحقيقى مكروه في ذاته لأهل الدين والعلم، لأنه يشعر غالبا بقلة اهتمامه بالآخرة وبالبلادة أيضا، والهم يذيب الجسم وينحفه، ولهذا جاء في الحديث:
«أما علمت أنّ الله يبغض الحبر السّمين» .
وقال النبى صلّى الله عليه وسلم في ذم قوم:
«قليل فقه قلوبهم، وكثير شحم بطونهم» .
قال العلماء: فيه تنبيه على أن الفطنة قل ما تكون مع كثرة اللحم، والاتصاف بالسمن والشحم، وفى أخبار الإمام الشافعى رضي الله عنه أنه قال: ما رأيت سمينا عاقلا قط إلّا رجلا واحدا، وفى رواية: «ما رأيت سمينا أخف روحا من محمد بن الحسن رضي الله عنه» ومثال ذلك:
(النّطيحة والحاقّة وقبضة وبالغة وحياة وبسطة والقارعة وخصاصة والصّاخّة وموعظة) .
وهذه الحروف العشرة سبعة منها هى حروف الاستعلاء، تستعلى إلى الحنك الأعلى، فتناسب الفتح، وهى تمنع إمالة الألف في الأسماء، فكيف لا تمنع إمالة الهاء التى هى مشبهة بها، فإن كان قبل حرف الاستعلاء كسرة فإن الإمالة جائزة في الألف، نحو:
(ضعافا) .
ولم يقرأ الكسائى بها في هاء التأنيث نحو:
(القارعة) .
والبالغة طردا للباب، ولأن الإمالة في الهاء ضعيفة، فجاز أن يمنعها ما لا يمنع إمالة الألف، فإن فصل بين حرف الاستعلاء وبين الهاء فاصل جازت الإمالة، نحو:
(رقبة ومسبغة ونحلة وبطشة وعصبة) .
والأحرف الثلاثة الباقية هى من حروف الحلق: الألف، والحاء، والعين، أما الألف فلأنها ساكنة لا يمكن كسرها، ولو كسر ما قبلها، لكانت الإمالة للألف لا للهاء، وأما الحاء والعين، فلأنها أقرب حروف الحلق إلى حروف الاستعلاء، فأعطيا حكمها، ثم قال: «وأكهر» أى حروف أكهر، وهى أربعة: الهمزة، والكاف، والهاء، والراء، إذا وقعت قبل هاء التأنيث، بعد ياء ساكنة أو كسرة أميلت، فذكر الباء في هذا البيت، والكسر في البيت الآتى، ويلزم من إمالة هذه الحروف إمالة الهاء بعدها، «والأكهر» : الشديد العبوس، يقال كهره: إذا استقبله بذلك، والكهر ارتفاع النهار مع شدة الحر، ويسكن في موضع الحال من الياء والضمير في ميلا: عائد على لفظ أكهر، دون معناه، وهما مبتدأ وخبر، وذكر ميلا معاملة للمضاف إليه بعد حذف المضاف لما أقيم مقامه، فهو من باب قوله تعالى:
(وكم من قرية أهلكناها فجاءها) .