فهرس الكتاب

الصفحة 304 من 358

وقوله: {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ [1] }

(1) فظن المنافقون أنها الفيصلة، وأن الإسلام قد باد أهلُه فقال مُعتِّب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا هاهنا. ولما قيل لعبدالله بن أُبيّ: قُتل بنوالخزرج اليوم. قال: وهل لنا من الأمر شيء؟. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «فليس مقصودهم بالكلمة الأولى والثانية إثبات القدر وردِّ الامر كله لله، ولو كان هذا مقصودهم لما ذُمُّوا ولما حَسُن الرد عليهم بقوله: {قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} ، ولا كان هذا الكلام ظن الجاهلية، ولهذا قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل هاهنا هو التكذيب بالقدر، وأن الأمر لو كان إليهم وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه تبعًا لهم يسمعون منهم لما أصابهم القتل، ولكان النصر والظفر لهم، فكذَّبهم الله في هذا الظن الباطل الذي هو ظن الجاهلية وهو المنسوب إلى أهل الجهل الذين يزعمون بعد نفاذ القضاء والقدر الذي لم يكن بُد من نفاذه أنهم كانوا قادرين على دفعه، وأن الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء، فأكذبهم الله بقوله: {قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} فلا يكون إلا ما سبق به قضاؤه وقدرُه، وجرى به قلمُه وكتابُه السابق.

وقوله: {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} الآية قال ابن كثير [التفسير 7/ 329] : «يتهمون الله تعالى في حكمه ويظنون بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ} أي أبعدهم من رحمته {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ، «قال ابن القيم رحمه الله في الآية الأولى [زاد المعاد 3/ 228] : «فُسِّر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسولَه، وأن أمرَه سيضمحل، وفُسِّر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، ففُسِّر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر؛ وإنكار أن يتمَّ أمرُ رسوله، وأن يظهره على الدين كلِّه. وهذا هو ظنُّ السوء الذي ظنّه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء لأنه ظنَّ غير ما يليقُ به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق، فمن ظنَّ أنه يُديلُ الباطلَ على الحق إدالةً مستمرة يضمحلُّ معها الحقُّ، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدَره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجرّدة، فذلك ظنُّ الذين كفروا، فويلٌ للذين كفروا من النار» وفيه: معرفة تفسير آية آل عمران وتفسير آية الفتح. قاله المصنف رحمه الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت