ولهما عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن من البيان لسحرًا» [1] .
(1) وقوله: «القالة بين الناس» قال ابن الأثير [النهاية 4/ 107] : «أي كثرة القول، وإيقاع الخصومات بين الناس بما يُحكى لبعضهم عن بعض» . ومنه: الحديث: «فشت القالة بين الناس» *.
قوله: «ولهما» أي البخاري ومسلم «عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ من البيان لسحرًا» ** البيان: البلاغة والفصاحة. قال صعصعة ابن صوحان: صدق نبي الله، فإن الرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه فيذهب الحق. وسبب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا ما رواه أبوبكر الرازي عن محمد بن الزبير قال: قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم فقال لعمرو: «أخبرني عن الزبرقان» قال: فقال مطاع في ناديه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: هو والله يعلم أني أفضل منه. فقال عمرو: إنه ذَمِرُ المروءة، ضَيّقُ العَطَنِ، حَمِقُ الأبِ، لَئيمُ الخالِ، يا رسول الله صدقت فيهما، أرضاني فقلت أحسن ما علمتُ، وأسخطني فقلتُ أسوأ ما علمتُ. فقال عليه السلام: «إن من البيان لسحرًا» . انتهى.
قال ابن عبدالبر: «تأوّله طائفة على الذمّ لأن السحر مذموم، وذكر أهل العلم وجماعة أهل الأدب أنه على المدح؛ لأن الله تعالى مدح البيان، والأول
* أخرجه البخاري (2506) .
** تقدم تخريجه.
أصح، والمراد بالبيان الذي فيه تمويهٌ على السامع وتلبيس، وهذا من التشبيه البليغ لكون ذلك يعمل عمل السحر فيجعل الحق في قالب الباطل، والباطل في قالب الحق، وفي الحديث: «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلّل بلسانه كما تخلّل البقرة بلسانها» *. رواه أحمد وأبوداود. قال في «النهاية» [2/ 70] : «هو الذي يتشدّق في الكلام ويُفخَّم به لسانه ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفًا» . انتهى. وأما البيان الذي يوضح الحق ويقرره ويبطل الباطل ويبيّنه فهذا هو الممدوح. وفيه: أن بعض الفصاحة من السحر.
* أخرجه أبوداود (5005) ، والترمذي (2857) وقال: حديث حسن. وقال الألباني: صحيح. انظر: صحيح سنن أبي داود (3/ 944) رقم (4185) .