فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 358

في الصحيح (1) عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح:23] [1]

(1) قوله: «وفي الصحيح» أي: صحيح البخاري، «عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} "قال: «هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت» * هذا الأثر اختصره المصنف والذي في البخاري عن ابن عباس صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد، أما ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهُذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطفان بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين في قوم نوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم. فصوّروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم، وكانوا يتبركون بدعائهم، وكلما مات منهم أحدٌ مثلوا صورته وتمسحوا بها، فعبدوهم بتدريج الشيطان لهم ثم صارت سنة في العرب في الجاهلية."

قال القرطبي [التفسير 18/ 308] : «وإنما صور أوائلهم الصور ليستأنسوا بهم ويتذكروا أفعالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم فوسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها» . انتهى.

وروى الفاكهي عن ابن الكلبي قال: «كان لعمرو بن ربيعة رئي من الجن فأتاه فقال: أجب أبا ثمامة، ودخل بلا ملامة، ثم إتِ سيف جُدة تجد بها أصنامًا معدة ثم أوردها تهامة، ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب.

* أخرجه البخاري (4940) .

قال: فأتى عمرو ساحل جُدة فوجد بها ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا وهي الأصنام التي عُبدت على عهد نوح وإدريس، ثم إن الطوفان طرحها هناك فسفى عليها الرمل فاستثارها عمرو وخرج بها إلى تهامة وحضر الموسم ودعى إلى عبادتها فأجيب. وعمرو بن ربيعة هو عمرو بن لُحي وكانت العرب قبله على دين إبراهيم عليه السلام حتى نشأ فيهم عمرو فأحدث الشرك، روى ابن جرير عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لأكثم بن الجون: «يا أكثم، رأيتُ عمرو بن لحي بن قمئة بن خندق يجر قُصْبَه في النار، فما رأيتُ رجلًا أشبه برجل منك به ولا به منك» . فقال أكثم: أتخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنك مؤمن وهو كافر، إنه أول من غيَّر دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيَّب السائبة، وحمى الحامي» *. إسناده حسن. والأنصاب: المراد بها الأصنام المصورة على صورهم المنصوبة في مجالسهم.

وقوله: «حتى إذا هلك أولئك» أي الذين نصبوها ليكون أشوق لهم إلى العبادة وليتذكروا برؤيتها أفعالهم.

قوله: «ونُسِيَ العلمُ» أي المعرفة بحالها وما قصده من صورها وغلب الجهَّال الذين لا يميِّزون بين التوحيد والشرك، وذهب العلماء الذين يعرفون ذلك عُبدت وقالوا: ما عَظَّم أولونا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله فعبدوهم، فهذا هو السبب في عبادة هؤلاء الصالحين وهو رجاء شفاعتهم عند الله.

* أخرجه ابن أبي عاصم (ق20/ 1) ، والحاكم (4/ 605) ، وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. وقال الألباني: هو حسن فقط. انظر الصحيحة (4/ 243 - 244) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت