فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 45019 من 82138

السؤال: رجل لديه ابن متخلف عقليا وأراد أن يزوج ابنه هذا بمن تستطيع مراعاة شؤونه الخاصة وتلبي رغباته بما في ذلك حاجته الجنسية، فما حكم هذا الزواج؟ وما هو موقف الشرع من زواج المعاقين بصفة عامة، وهل يحق لولي الأمر أن يمنع هذا الزواج؟

المفتى: الشيخ هاني بن عبد الله الجبير القاضي بالمحكمة الكبرى بجدة

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فالمعاق بدنيا لا فرق بينه وبين الصحيح فله أن يتزوج متى رضي الطرف الآخر بإعاقته، أما المجنون فيجوز تزويجه ولكن لا بد من مراعاة جملة ضوابط منها:

1 -ألا يكون الطرف الآخر مجنونا مثله.

2 -أن يكون الطرف الآخر على علم بمرضه وأن يرضى بذلك.

3 -أن يكون سقيم العقل مأمونا شره وأذاه. أن يرضى أولياء المرأة بهذا الزواج.

وفي جميع الأحوال من حق ولي الأمر أن يمنع مثل هذا الزواج إذا ظهرت له مصلحة راجحة. يقول فضيلة الشيخ هاني بن عبد الله الجبير - القاضي بالمحكمة الكبرى بجدة-:

(1) يجوز زواج المعاقين والمتخلفين عقليًا، وسدُّ احتياجاتهم العضوية والنفسية حق مكفول لهم كغيرهم، وإن كان هذا ضمن ضوابطه التي ستأتي، وهذا من أصول رعاية المعاق ومساعدته على ممارسة حياته بأقرب صورة إلى الحالة الطبيعية للإنسان.

(2) الإعاقة أنواع متفاوتة، ولكن القول الجامع فيها أن كل إعاقة لا يكون العقل فيها زائلًا مثل الصمم، والبكم، وشلل اليد أو الرجل، فهذه يجوز لصاحبها الزواج، وحكمه حكم الصحيح سواء، إلا أنه يشترط أن يطلع الطرف الآخر على الإعاقة، ويرضى بها، حتى ولو كان مصابًا بمثل تلك الإعاقة، فإن إصابته بإعاقة مماثلة لا تكفي عن أخذ رأيه في الزواج من معاق.

ومن صحابة نبينا - عليه الصلاة والسلام- من كان أعمى، أو أصم، ولم تمنعه إعاقته من الزواج، أما المتخلف عقليًا وصاحب الإعاقة التي تزيل العقل، فالمصاب بها حكمه حكم المجنون، والمجنون يجوز له الزواج، لكن يشترط في زواجه مع شروط الزواج المعلومة شروط أخرى هي:

أ- اطلاع الطرف الآخر على حاله ومعرفته بوضعه تمامًا فإن عدم اطلاعه غش له وخيانة محرمة.

ب- ألا يكون الطرف الآخر مجنونًا ولا زائل العقل، بل يتزوج المتخلف عقليًا امرأة سليمة العقل، وتتزوج المتخلفة عقليًا برجل سليم العقل، وسبب ذلك أن اجتماع زائلي العقل لا يحقق أي مصلحة، وهو مع ذلك سبب لضرر بينهما كما هو ظاهر.

ج- أن يكون سقيم العقل منهما مأمونًا، أما الذي يتصف بالعدوانية بالضرب أو الإفساد فلا يجوز له الزواج؛ لأن زواجه سبب لحصول الضرر، والضرر مرفوع في الشريعة الإسلامية.

د- وآخر الشروط أن يرضى أولياء المرأة بهذا الزواج؛ لأن فيه ضررًا قد يلحقهم.

هذه شروط زواج المعاق المتخلف حسبما استقرأه الفقهاء من نصوص الشرع وقواعده، وهي -كما هو ظاهر- محققة للمصلحة، مانعة للمفسدة، يتضح بها تحقق الشرعية لمصالح العباد واحتياجاتهم. والله الموفق.

(3) في زواج المعاق أيًا كانت نوعية إعاقته تحقيق لمصلحة مهمة، وهي أن يوجد للسقيم منهما من يعتني به، ويقوم بشؤونه، ويهتم به، فإن عقد النكاح في الإسلام يهدف إلى ما هو أكبر من مجرد الاستمتاع، الذي هو من مقاصد النكاح المهمة، بل يراد معه أيضًا تحقيق الرعاية والتكافل والتراحم بين الزوجين:"ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة" [الروم: 21] .

والذي يزوج سقيم العقل وليه؛ لأنه هو الراعي لمصلحته، وهذا من محاسن الشرع أن أسندت الولاية إلى بعض أقارب الصغير والمجنون، ومن في معناهم؛ لعدم قدرتهم على إدارة شئونهم، ولا تصريف أحوالهم، ورعاية المعاق فرض كفاية على المجتمع لمساعدته ليعود عضوًا فعالًا في المجتمع، وليتخلص من الآثار النفسية التي قد تنشأ عنده.

(4) الأمراض والابتلاءات التي تصيب بعض العباد طريق للأجر إن صبر المبتلى بل ورد في بعض أنواع الإعاقات أجر عظيم جدًا ففي الحديث الذي أخرجه البخاري (5653) عن أنس ابن مالك - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الله قال:"إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوّضته منهما الجنة"يريد عينيه، وهذه الأمراض لا يمكن للإنسان دفعها؛ فهي من قدر الله الذي لا ينجي منه الحذر، كما هو معروف، ومع عدم رغبة الشرع في الذرية الضعيفة أو المريضة إلا أن الزواج الذي قد ينتج عند ذرية ضعيفة أو مريضة لم يأت نص من الشرع بمنعه وتحريمه؛ ولعل السبب في هذا أن الزواج هذا لا يتحتم أن يكون نتيجته ذرية مريضة، وهذا معلوم لمن قرأ علم الوراثة.

ولأن السلف لما لمحوا أثر الوراثة في حدوث الإعاقات فقد نقل عنهم عدة مقولات تحث على الزواج من غير الأقارب؛ لمنع حصول الذرية الضعيفة، ومن ذلك قولهم: اغتربوا ولا تضووا يعني: تزوجوا الأجنبيات غير الأقارب لئلا تكون ذريتكم ضعيفة.

ويمكن إعمالًا لمبدأ السياسة الشرعية أن يمنع ولي الأمر زواج من يكون الغالب عليه أن ينتج من زواجه المرضى، لكن هذا من باب السياسة التي تحقق المصلحة بمنع بعض المباح، وليس من باب الحكم بتحريم النكاح وفساده، ومثل هذه المسألة تحتاج مزيدًا من النظر الشرعي والواقعي؛ ليمكن الحكم فيها بالحكم الصواب.

(5) يُتعامل مع زواج المعاقين والمتخلفين عقليًا بالضوابط التي تقدمت، والنظرة التي سبق أن ذكرناها، وليراع من ينظر إليهم أن هذه الإعاقة لم تمتنع عن أحد من البشر مهما كان. والله الموفق.

والله أعلم.

نقلا عن موقع الإسلام اليوم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت