السلام: كليم اللّه، وقيل لعيسى: روح اللّه، ولم يقل ذلك لإبراهيم، ولا لمحمد عليهما السلام، وإن كان محمد صلّى اللّه عليه وسلم أرفع درجة منهن لأن اللّه تعالى كلم الأنبياء عليهم السلام على السنة الملائكة، وكلم موسى كما كلم الملائكة، فلهذه العلة قيل: كليم اللّه. وخلق في نطف الرجال أن قذفها في أرحام النساء على ما أجرى عليه تركيب العالم، وطباع الدنيا وخلق في رحم مريم روحا وجسدا، على غير مجرى العادة، وما عليه المناكحة. لهذه الخاصة قيل له: روح اللّه.
وقد يجوز أن يكون في نبي من الأنبياء خصلة شريفة، ولا تكون تلك الخصلة بعينها في نبي أرفع درجة منه، ويكون في ذلك النبي خصال شريفة ليست في الآخر. وكذلك جميع الناس، كالرجل يكون له أبوان، فيحسن برهما وتعاهدهما، والصبر عليهما، وهو أعرج لا يقدر على الجهاد، وفقير لا يقدر على الانفاق. ويكون آخر لا أب له ولا أم له، وهو ذو مال كثير، وخلق سوى، وجلد طاهر، فأطاع هذا بالجهاد والإنفاق، وأطاع ذلك ببر والديه والصبر عليهما.
والكلام إذا حرك تشعب، وإذا ثبت أصله كثرت فنونه، واتسعت طرقه.
ولو لا ملالة القارئ، ومداراة المستمع لكان بسط القول في جميع ما يعرض أتم للدليل، وأجمع للكتاب، ولكنا إنما ابتدأنا الكتاب لنقتصر به على كسر النصرانية فقط.
قلنا في جواب آخر: إن كان المسيح إنما صار ابن اللّه لأن اللّه خلقه من غير ذكر، فآدم وحواء إذ كانا من غير ذكر وأنثى أحق بذلك، إن كانت العلة في اتخاذه ولدا أنه خلقه من غير ذكر. وإن كان ذلك لمكان التربية فهل رباه إلا كما ربى موسى، وداود، وجميع الأنبياء. وهل تأويل: «رباه» إلا غذاه ورزقه واطعمه وسقاه فقد فعل ذلك بجميع الناس، ولم سميتم سقيه لهم واطعامه اياهم تربية، ولم رباه وانتم لا تريدون الا غذاه ورزقه وهو لم يحضنه، ولم يباشر تقليبه، ولم يتول بنفسه سقيه وإطعامه، فيكون ذلك سببا له دون غيره، وإنما سقاه لبن أمه في صغره، وغذاه بالحبوب والماء في كبره.