يدل على سببها، أو خبر لا يكذب مثله، أو أنه لا يحتمل شيئا من التأويل إلا وجها واحدا. قالوا: فوجدنا الأخبار مختلفة والمختلف متدافع وليس في المتدافع والمتكافئ بيان ولا فضل، فمن ذلك قول الأنصار، وهم شطر الناس أو أكثرهم، مع أمانتهم على دين اللّه تعالى وعلمهم بالكتاب والسنة حيث قالوا عند وفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلم: منا أمير ومنكم أمير. فلو كان قد سبق من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ذلك أمر ما كان أحد أعلم به منهم، ولا أخلق للاقرار والعمل بما يلزم الصبر عليه منهم، بعد الذي ظهر من احتمالهم في جنب اللّه تعالى والجهاد في سبيله والنصرة لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم، مع الإيواء والإيثار بعد المواساة ومحاربة القريب والبعيد والعرب قاطبة وقريش خاصة.
ثم الذي نطق القرآن به من تزكيتهم وتفضيلهم بحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لهم ولقبه لهم وثنائه عليهم، وهو يقول: «أما واللّه ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع» : في أمور كثيرة. ثم لم يكن قولهم: منا أمير ومنكم أمير. من سفيه من سفهائهم ضرى إليه أمثاله منهم، فان لكل قوم حسدة وجهالا وأحداثا وسرعانا من حدث تبعثه الغرارة والأشر، أو رجل يحب الجاه والفتنة، أو مغفل مخدوع، أو غرزي حمية يؤثر حسبه ونسبه على دين اللّه تعالى وطاعة نبيه صلّى اللّه عليه وسلم. ولا كان ذلك القول إذ كان من عليتهم في الواحد الشاذ القليل، بل كان في ذوي أحلامهم والقدم منهم، ثم كان المرشح والمأمول عندهم سعد بن عبادة سيدا مطاعا ذا سابقة وفضل وحلم ونجدة وجاه عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم واستعانة به في الحوادث والمهم من أمره، ثم كان في الدهم من الأنصار والوجوه والجمهور من الأوس والخزرج، فكيف يكون سبق من النبي صلّى اللّه عليه وسلم في هذا أمر يقطع عهدا ويوجب رضا وهؤلاء الأمناء على الدين والقوام به قد قاموا هذا المقام وقالوا هذا المقال. قالوا: فإن قال قائل: فان القوم كانوا على طبقات، من ذاكر متعمد، أو ناس قد كان سقط عن ذكره وحفظه، ومن رجل كان غائبا عن ذلك القول التأكيد الذي كان من النبي صلّى اللّه عليه وسلم في إقامة إمام يقدم في أيام وفاته، ومن رجل قدم في الإسلام لم يكن من حمال العلم، فاذكرهم أبو بكر وعمر فذكروا، ووعظاهم فاتعظوا، فقد كان فيهم الناشئ الفاضل الذي يزجره الذكر وينزع إذا بصّر، والمعتمد الذي لم يبلغ من لجاجه وتتايعه وركوب ردعه ما