وسببه وجميع ما ذكرنا فعناية الناس به وعداوتهم له وشهرته في نفسه دون محمد صلّى اللّه عليه وسلم. وهل نسب أحد قط لأحد إلا دون ما نسبه له رهطه وأداني أهله ومن معه في بيته وربعه؟؟ وما أعرف يرحمك اللّه المعاند والمسترشد والمصدق والمكذب ينكر أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن منجما ولا طبيبا، وإذا قال الجاهل إنه قد كان يعلم الخط فخفى له ذلك، وتعلم الأسباب والقضاء في النجوم فخفى له ذلك، وتعلم البيان وقدر منه على ما يعجز أمثاله عنه وخفى ذلك، أ ليس مع قوله ما يعلم خلافه يعلم أنه قد سلم له أعجوبة كأعجوبة إبراء الأكمة والأبرص والمشي على الماء؟ إذ كان ذلك لا يجوز ولا يمكن في الطبائع والعقل والتجربة.
وافهم يرحمك اللّه ما أنا واصفه لك، هل يجد التارك لصديقه أنه لا يدري بزعمه لعله كان أعلم الخلق بالنجوم ناظرا لنفسه غير معاند لحجة عقله، وهو لم يجد أحدا قط برع في صناعة واحدة فخفي على الناس موضعه بكل ما حكينا وفسرنا؟ وأنت كيف تعلم أنه ليس في إخوانك من ليس بمنجم وأن فيهم من ليس بطبيب إلا بمثل ما يعرف به رهط النبي صلى اللّه عليه وسلم وآله منه! وكيف لم يشتهر ذلك، ولم لم يحتج به عليه! ولقد بلغ من إسرافهم في شتمه وإفراطهم عليه أن نافقوا وأحالوا لأنهم كانوا يقولون له أنت ساحر وأنت مجنون. وإنما يقال للرجل ساحر لخلابته وحسن بيانه ولطف مكايده وجودة مداراته وتحببه، ويقال مجنون لضد ذلك كله.
فصل منه- وليس ينتفع الناس بالكلام في الأخبار إلا مع التصادق، ولا تصادق إلا مع كثرة السماع والعلم بالأصول، لأن رجلا لو نازع في الأخبار وفي الوعد والوعيد والخاص والعام والناسخ والمنسوخ والفريضة والنافلة والسنة والشريعة والاجتماع والفرقة، ثم حسنت نيته وناصح عن نفسه، لما عرف حقائق باطل دون أن يكون قد عرف الوجوه وسمع الجمل وعرف الموازنة وما كان في الطبائع وما يمتنع فيها، وكيف أيضا يقول في التأويل من لم يسمع بالتنزيل، وكيف يعرف صدق الخبر من لم يعرف سبب الصدق؟