فهرس الكتاب

الصفحة 9990 من 27364

وإذا غضضنا الطرف عن الصورة الاستشراقية الماضية ونظرنا إلى أيامنا الحاضرة فإننا نرى فيها منحى استشراقياً آخر للنيل من الإسلام وهدم أسسه، فكما هو معروف أن الاهتمام بالإسلام قد زاد في الغرب بصورة منقطعة النظير بعد الثورة الإيرانية عام 1979 ميلادي، فقد تكاثرت المقالات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية وحملت معظمها في طياتها الغش والخداع والأخطاء مما جعل المعلومات الخاطئة تنشر في كل مكان وكما يقول مكسم رودنسون فإن (مجمل صورة عالم الإسلام قد شوهت من خلال منظور مشوه إلى حد كبير) والسبب في ذلك ، على حد اعتقاد"مكسيم رودنسون"، هو التقدم الهائل في مجال وسائل الإعلام الجماهيري الذي استثار شهية الكثيرين، لكي يكتبوا عن الإسلام والعالم الإسلامي على الرغم من أنهم لم يكلفوا أنفسهم عناء اكتساب الكفاءة العلمية التي تتطلب وقتاً طويلاً وتحضيراً حقيقياً، وقد أطلق عليهم"رودنسون"بأنهم طفيليون (الذين يتطفلون على العلم تطفلاً ويحدثونك موضوع الإٍسلام والعرب إلخ ... وكأنهم عارفون) .

وخلاصة القول أن الاستشراق سواء بصورته القديمة أو الذي ظهر بعد عصر النهضة أو ذلك الذي نعايشه اليوم عمل على تشويه الإسلام وهدم مرتكزات المجتمع الإسلامي والحضارة الإسلامية بصورة لا هوادة فيها، وقد اشترك في هذا العمل جيش عرمرم من المستشرقين الذين لا يسعني أن استثني منهم إلا عدداً ضئيلاً، وحتى أولئك الذين أعدوا المعجم المفهرس لألفاظ الحديث وألفاظ القرآن وأولئك الذين فهرسوا المخطوطات العربية وحققوا كثيراً منها وأظهروها إلى النور نكون مخطئين إذا اعتبرناهم ممن خدموا العلم وأنهم أرادوا خدمة الإسلام والمسلمين بنية خالصة، لا والله لم يكونوا ممن يحملون مثل هذه الروح الخيرة التي يطيب لكثير منا أن يتصورها فيهم، بل إنهم عكس ذلك كانوا يريدون من خلال ما قاموا به من أعمال الفهرسة وطباعة المخطوطات وغيرها هو تسهيل عملية تداول الكتب الشرقية وتيسير الاطلاع على محتوياتها حتى يتمكن الرجل الغربي أن يستوعب الشرق وينفذ إلى أعماقه بسهولة ويسر. هذا ما نتأكد منه من خلال ما قال"جون مول"عام 1841 ميلادي بأنه (مهما كررنا وأعدنا فإننا لا نكرر بما فيه الكفاية أن طبع المخطوطات الشرقية الأهم هو الحاجة الأكبر والأكثر ضغطاً وإلحاحاً بالنسبة لدراساتنا، وبعد أن يكون العمل النقدي للعلماء قد مر على الأدبيات الشرقية، وبعد أن تكون الطباعة قد سهلت عملية تداول الكتب بعد ذلك فقط يمكن للعقل الأوروبي أن ينفذ فعلاً إلى أعماق الشرق) وكذلك من خلال ما قاله المستشرق المعاصر"مكسيم رودنسون"عن الفهارس البيلوغرافية والجداول الإحصائية، والقواميس وكتب النحو وغيرها، والتي تعب المستشرقون الأوائل في إعدادها، يقول عنها: (إنه لتدريب طويل وصعب ويستحق الإعجاب على كل حال، فنحن الذين نصرف كل هذا الوقت والعناء لجمع المعلومات التفصيلية المتراكمة منذ مائة وخمسين عاماً، في كتب متوافرة على طاولتنا، لا يمكننا إلا أن نشعر بالإعجاب والإكبار أمام"سيلفستر دوساسي"الذي كان مضطراً للبحث عنها في مخطوطات المكتبة الوطنية التي علاها الغبار، فهذه الكتب من تلك المخطوطات ولولا جهود المستشرقين الأوائل لما توافرت لدينا جاهزة) .

فالمجهود الاستشراقي المختص بالعالم الإسلامي، إذن ، في مجملة إلا ما شذ وندر، صرف ولا يزال يصرف، في سبيل مقاومة الدعوة الإسلامية وتحييد العالم الإسلامي من مواكبة تطورات العصر وبنائه.

وليس من شك في أن الاستشراق قد نجح في تحقيق بعض مستهدفاته على أصعدة مختلفة، فقد تمكن من جهة من إيقاف المد الإسلامي إلى الدول الغربية وذلك عن طريق ترويج تلك الصورة الشائبة عن الإسلام والتي اقتنع بها الإنسان الغربي مع مرور الأيام فأصبحت جزءاً لا يتجزأ من الإرث الفكري الذي ينقله كل جيل إلى الذي يليه دونما وعي مما نجم عنه أن الإٍسلام أصبح أكثر الأديان كرهاً في المحيط الغربي، ومن جهة أخرى تمكن الاستشراق من زعزعة ثقة كثير من المسلمين بموثوقية مصادر دينهم وبإخلاص نبيهم، وذلك عن طريق إثارة الشبهات والشكوك ومحاولة فهم النصوص المقدسة بوضعها في بعد بشري معزول عن أية علاقة بالوحي.

فالاستشراق، إذن ، قد مثل ولا يزال يمثل، تحدياً صارخاً أمام الفكر الإسلامي والدعوة الإسلامية، ونحن أمام هذا التحدي لا يكفي فقط أن نبدي الغضب والاحتجاج، الأمر الذي يعيبه علينا المستشرقون، بل ينبغي علينا أن نأخذ الأمر مأخذ الجد ونرد الصاع بالصاعين.. وهو ما تجده في المقال التالي بعنوان (مناهضة الفكر الاستشراقي) .

ــــــــــــــــــ

الدعوة إلى الله:"محمد شمس الحق"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت