لا بالطبع، أنا أدرك وجود آثار إيجابية لكنها قليلة إذا ما قورنت بالسلبي منها، كما لم تخل أبداً من الغرض، ربما باستثناءات قليلة جداً، كلنا يذكر جيرمانوس وزيجريد هونكة وأناماري شميل وليوبولد فايس وغيرهم، ويذكر لهم إنصافهم وموضوعيتهم، ولكن هذه استثناءات نادرة، أما القاعدة فهي غير ذلك، ومعظم المستشرقين كانوا أصحاب غرض ومتحاملين فطرياً وعقائدياً ضد الإسلام والمسلمين، أو ارتبطوا بأهداف استعمارية بحتة، وللأسف هؤلاء كانوا الأكثر إنتاجاً وتأثيراً في الوقت نفسه، حتى إن معظم الأكاديميين والمثقفين العرب والشرقيين تتلمذوا عليهم، وتأثروا بأفكارهم ومناهجهم، التي ما زالت مسيطرة على الدراسات الإنسانية والاجتماعية في بلادنا، خاصة وأنهم نجحوا في فرضها على جامعاتنا ومناهجنا العلمية الحديثة منذ إنشائها، لذلك فما زال كاردايفو وكازانوفا وسانتيلانا وجولدتسيهر وكارلونالينير وبروكلمان وأربري... وغيرهم من كبار المستشرقين المعروفين بتعصبهم وأهدافهم الاستعمارية هم المعروفين والمؤثرين في حقل الدراسات الإنسانية في عالمنا العربي والإسلامي.
وكيف سيتجاوز الاستشراق الجديد هذه العيوب والسلبيات؟
الفكرة تقوم على إعداد وتأسيس جيل من الباحثين والأكاديميين الذين تتوافر فيهم الشروط الموضوعية للقيام بالدور الاستشراقي؛ وأهم هذه الشروط:
البعد عن الغرض، وعدم التحامل أو التعصب، مع توافر الإمكانات اللازمة للعمل في الحقل الاستشراقي.
وأعتقد أن المسلمين الغربيين، وخاصة أبناء الجيل الثالث من المسلمين هناك أفضل من يمكنه القيام بهذا الدور، وتتحقق فيه الشروط اللازمة له؛ فهم بعيدون عن التعصب ضد الإسلام أو التحامل عليه، وأقدر على فهمه وإدراك معانيه من الغربيين غير المسلمين، كما أنهم أكثر قدرة أيضاً على تكوين ثقافة إسلامية، وإجادة لغات العالم الإسلامي، بالإضافة إلى قدرتهم على الاستفادة من الإمكانات والمناهج العلمية والغربية، وتمكنهم من اللغات والأدوات الغربية اللازمة للعمل في هذا الحقل نظراً للخبرة الغربية فيه، ومهمة الكلية إعداد هذا الجيل في قلب أوروبا لتحقيق المعادلة الصعبة، والقيام بهذه المهمة، وتصحيح مسار حركة الاستشراق من أجل خدمة الإنسانية التي ستستفيد كثيراً من تصحيح الرؤية السائدة عن الإسلام، وإعادة تصوره على حقيقته.
وما حجم الاستجابات لهذه الفكرة؟
كبيرة بالنظر إلى حداثتها؛ إذ لم يمر عليها سوى ثلاثة أشهر، فالاستجابة الكبيرة ليست فقط في الترحيب البالغ الذي لاقته من ضيوف المحاضرة - وكلهم من البارزين في الحقل الإسلامي والأكاديمي في أوروبا -، وكذلك الاهتمام الواسع الذي أبدته الصحف الأوربية، بل وفي السرعة التي تبنت بها جامعة روتردام الفكرة؛ حيث بدأت فعليّاً إجراءات تأسيس الكلية، وأسندت إلىَّ عمادتها والإشراف على وضع هيكلها الإداري والتعليمي، وتحدد لها عام 2001 كبداية للدراسة بها، على أن تبدأ الدراسة بقسم الدراسات العثمانية، ثم تستكمل بقية الأقسام (العربية، الفارسية، المالوية، والأوروبية) ، ومدة الدراسة أربع سنوات، وقد بدأت بعض الجامعات استعدادها للاعتراف بالشهادة التي تمنحها الكلية؛ وكانت جامعة طشقند الدولية أولى هذه الجامعات، حيث وقعنا مع السيد نعمة الله إبراهيموف رئيس الجامعة بروتوكولاً بذلك، وفي انتظار ردود عدد آخر من الجامعات.
ولكن لماذا كانت البداية بقسم الدراسات العثمانية غير كونها تمثل تخصصك الأكاديمي؟
لأن الدولة العثمانية ليست فقط أطول الدول الإسلامية عمراً، وأكثرها اتساعاً؛ ولكن لأنها كانت نقطة الالتماس المشتعلة للإسلام مع الغرب منذ نشأتها وحتى سقوطها، فمنذ دخول العثمانيين مدينة القسطنطينية وحتى انهيار دولتهم بعد الحرب العالمية الأولى كان هناك صراع مع الغرب امتد إلى داخل أوروبا نفسها، وحمل معه بذوراً للصراعات المستمرة إلى الآن كما هو الحال في البلقان، وكثير من الأوروبيين لا يعرفون الإسلام إلا مقترناً بالعثمانية، لذلك فتشويه الإسلام والتحامل عليه في الأدبيات الأوروبية والغربية عموماً مرّ ببوابة الدولة العثمانية التي صارت أكثر دول الإسلام - ربما في التاريخ كله - التي تمثل نموذجاً لجناية الاستشراق، وتجسيداً لعيوبه وسلبياته، حتى إننا لا نجد مستشرقاً واحداً منصفاً لها طوال تاريخها، لذلك كان لا بد أن تبدأ عملية تصحيح المسار الاستشراقي من الدولة العثمانية؛ خصوصاً أننا نعيش في هذا العام ذكرى مرور سبعمائة عام على تأسيسها (1299م- 1999م) ، وأعتقد أنها مناسبة لتأسيس هذا القسم والبداية به، بالإضافة إلى أننا كنا نمتلك تصوراً واضحاً عنه، ولدينا إمكانيات البدء فيه فعلياً بعكس بقية الأقسام التي ما زلنا بصدد البحث في تشكيل هياكلها ومقرراتها الدراسية، بل واختيار أعضاء هيئة التدريس بها.
هل كان ذلك سبباً في تأجيل بدء الدراسة بالكلية إلى عام 2001 بدلاً من عام 2000 الذي سبق الإعلان عنه؟!