وأتت البعثة الثالثة من مدينة بال السويسرية، ونزلت في ساحل الذهب؛ حيث ركزت دعوتها بين قبائل فانتي Fanti وحققت نجاحاً كبيراً بينها، عوضها الخسائر الكبيرة التي تكبدها أندريا رايس And r eas r iis رئيس البعثة، في محاولاته المخفقة المتكررة بين قبائل أشانتي التابعة لساحل العاج، والتي وصلت في عنادها ورفضها لأي وجود نصراني، إلى حد أن احتجزت قِسَّين رهينة حتى جلاء البعثة عن أراضي الأشانتي وتحقق لها ما أرادت.
فلما أتت قوات الاحتلال الفرنسي وسيطرت على أملاك الأشانتي وأراضيهم حوالي عام 1815م، كانت بعثة الميثودست هي أسبق البعثات التنصيرية إلى هذه البلاد، حيث تم إعداد عدد من القسس الزنوج من أبناء القبيلة لممارسة الدعوة بينهم، كما أسست كنيسة محلية مستقلة خاصة بالمتنصرين الزنوج تابعة لطائفة البريسبيتريان النصرانية.
في العام 1844م استطاع اثنان من المنصرين، أحدهما أبيض ويدعى تونزند Townsend والآخر زنجي ويدعى كروثر G r owlthe r استطاعا أن ينشئا فرعاً لجمعية التنصير الكنسي في أبيوكوتا Abeo Kouta بنيجيريا بين أفراد قبيلة اليوروبا التي ينتمي إليها المنصر الزنجي.
ونجح كروثر كثيراً في نشر الدعوة النصرانية في نيجيريا لمعرفته بلغة القبائل في المنطقة ولهجاتها، حتى منحته المنظمة عام 1854م منصب مطران نيجيريا، إلى أن مات عام 1891م.
ومن خلال إعداد منصرين من أبناء القبائل، ومنحهم الأموال والمناصب والوظائف والوجاهة الاجتماعية، حقق النصارى مكاسب ضخمة في شتى أرجاء نيجيريا، مهدت لكل البعثات الأخرى أن تمارس دعوتها في أرض جيدة الحرث وخصبة التربة ومهيأة لكل بذرة يمكن أن تؤتي حصاداً بأقل جهد ومال؛ إذ عملت إلى جانب البعثات البروتستانتية بكل مذاهبها ثلاث هيئات كاثوليكية هي: آباء روح القدس، وليون، والآباء البيض.
وكان للهيئة الأولى نشاطها السابق ومراكزها النشطة في السنغال منذ القرن الثاني عشر، وهي ذاتها التي بذلت جهوداً ضخمة في غينيا السفلى.
أما جمعية ليون التي أسسها القس الثري بريزيلك B r esillac عام 1856م، فكان أول نشاط تنصيري لها في غرب إفريقيا عام 1859م بمدينة فريتون على ساحل سيراليون، لكنه لم يبق على أرض هذه المدينة أكثر من ثلاثة أشهر، حيث أصابته الحمى الصفراء ومات ليخلفه القس بلانك Planque الذي حدد هدفه على مدى نصف قرن من الزمان على ساحل غينيا، فأغدق عليها باستدعاء البعثات التنصيرية من كل المذاهب والملل النصرانية، ولم يغادر هذه المنطقة يوماً بإطلاق.
فلما تمكنت البعثات والمراكز التنصيرية وتثبتت قواعدها في المنطقة الساحلية، بدأت تنطلق نحو العمق الإفريقي حيث كانت السيطرة كاملة للوجود الإسلامي الذي لم يكن له وجود ملموس في السواحل الإفريقية.
تأسست عام 1868م جمعية الآباء البيض للسيدة العذراء على يد القس الفرنسي لافيجري Lavige r ie الذي ابتعثته الكنيسة الجزائرية؛ حيث كان يشغل منصب أسقف عام الكنيسة الجزائرية، فأرسل عام 1875م ثلاثة منصرين إلى تمبكتو في قلب مالي جنوب الجزائر، غير أن قبائل الطوارق تصدوا لهم وقتلوهم.
وإلى رواندا بوروندي r ouanda Pu r oundi وشرقي الكونغو البلجيكية (حينذاك) امتدت جهود البعثات الفرنسية للآباء البيض، أما بقية الكونغو البلجيكية فكانت من نصيب البعثات البروتستانتية الآتية من إنجلترا وأمريكا.
وفي المنطقة التي سميت بالكونغو الفرنسية، كان لجماعة آباء الروح القدس النصيب الأكبر فيها، حيث عمل هناك القس أوجوار Augoua r d الذي اشتهر باسم مطران أكلة لحوم البشر.
وفي هذه المنطقة تشير بعض الصفحات القديمة في تاريخ الكنيسة الغربية في إفريقيا أن الحماس الذي كان لدى البعثات والأفراد الآتية من طاحونة الحرب المشتعلة في أوروبا وارتدت ثوب الكنيسة وتعلقت بالصليب، بلغ ذلك الحماس بأحدهم أن لجأ في محاربة الإيمان الذي ينتشر في هذه البلاد بأحقية الرجل في الزواج بأكثر من امرأة، أنه كان يتزوج هو الفتيات زواجاً صورياً، حتى لا يتزوجن من رجال سبق زواجهم، ثم يعيد تزويج هؤلاء الفتيات مرة ثانية إلى أتباعه الكاثوليك الذين يؤمنون مثله بحرمة تعدد الأزواج.
ولعل أشهر المنصرين الفرنسيين الإنجيليين في منطقة الجابون كان الدكتور شفايتزر Schweitze r الذي كرمته ملكة إنجلترا ونال جائزة نوبل للسلام عام 1954م لقاء جهوده التنصيرية في شرق إفريقيا ووقف المد الإسلامي هناك. أما في الكاميرون فقد تسابقت البعثات الكاثوليكية والبروتستانتية القادمة من ألمانيا، فسيطرت الأولى على جنوب البلاد وتركت للأخرى مناطق صراع مذهبي وقبلي، بينما تمكنت بعض البعثات البروتستانتية الإنجليزية والكاثوليكية الإيطالية أن تصل بنشاطها إلى سكان أعالي النيل في السودان.
بعثات التنصير النسوية: